بعض ما عرفت آنفا ناظر إلى قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
« 1 » .
فلو لم يفهم هذا من إطلاق الرشوة لم يحسن ذكره مكرّرا بدون قيد هذا « أوّلا » .
و « ثانيا » : جعلها في عداد ثمن الخمر ومهر البغي وثمن الكلب وغير ذلك يدلّ على أنّه في مقابل عمل محرّم ، فلو أخذه في مقابل الحكم بالحقّ لم يكن كذلك .
و « ثالثا » : جعلها في مقابل أجور القضاة في غير واحد من روايات الباب التي سبق ذكرها ، فلو كان جعل القاضي مطلقا رشوة لم يكن لذلك وجه .
« رابعا » : قد عرفت أنّها مأخوذة من أحد المعاني الثلاثة التي تشترك في معنى الوصول إلى مقصد خاصّ عن طريق عمل ، وهذا لا يناسب إعطاء مطلق الأجر إلى القاضي ، اللهمّ إلّا أن يقال إنّ المقصود الوصول إلى نفس القضاء ، ولكن لا يخلو عن بعد .
وعلى هذا لا شكّ أنّ مقتضى القاعدة القول بالحرمة في خصوص ما يؤخذ على الحكم بالباطل ، أو الحكم على وفق مراده باطلا كان أو حقّا ، فلا تشمل القسم الثالث من الأقسام السابقة ولا ما بعده .
ومن هنا يظهر النظر في كلام الجواهر حيث قال : إنّ الرشوة خاصّة في الأموال وفي بذلها على جهة الرشوة ، أو أنّها تعمّها وتعمّ الأعمال ، بل والأقوال كمدح القاضي والثناء عليه ، والمبادرة إلى حوائجه وإظهار تبجيله وتعظيمه ، ونحو ذلك وتعمّ البذل وعقد المحاباة والعارية والوقف ونحو ذلك ، وبالجملة كلّ ما قصد به التوصّل إلى حكم الحاكم ؟ قد يقوى في النظر الثاني ، وأن شكّ في بعض الأفراد في الدخول في الاسم ، أو جزم بعدمه فلا يبعد الدخول في الحكم ( انتهى ) « 2 » .
أقول : أمّا الدخول في الاسم فهو بعيد جدّا بالنسبة إلى « الأقوال » بعد التعبير بالأخذ في كثير من روايات الرشوة ، وما يتبادر في الذهن منها في عرف المتشرّعة ، بل العرف العامّ من كونها مالا لا قولا .
هامش
( 1 ) . سورة المائدة ، الآية 44 .
( 2 ) . جواهر الكلام ، ج 22 ، ص 146 - 147 .