وقال في اللمعة : « وهما واجبان عقلا في أصح القولين ، ونقلا اجماعا » .
وقال في المختلف بعد نفي الخلاف عن وجوبهما : « إنّما الخلاف في مقامين الأوّل : هل هما واجبان عقلا أو سمعا ؟ فقال السيد المرتضى وأبو الصلاح والأكثر بالثاني ، وقواه الشيخ في كتاب الاقتصاد ، ثم عدل إلى اختياره الأوّل ، والأقرب ما اختاره الشيخ ( أي وجوبها عقلا ) » « 1 » .
ولكن الانصاف أنّ وجوبهما في الجملة بحكم العقل ممّا لا سبيل لنا إلى انكاره ، وقد أرشدنا الإمام الباقر عليه السّلام إلى دليله العقلي ، بقوله عليه السّلام فيما روى عنه : « إنّ الأمر بالمعروف سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء فريضة عظيمة بها تقام الفرائض ، وتأمن المذاهب ، وتحل المكاسب ، وترد المظالم ، وتعمر الأرض ، وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر » « 2 » .
وقد أشار إليه قبل ذلك مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام في بعض كلماته مشيرا إلى هذه الفريضة « إذا أدّيت وأقيمت استقامت الفرائض كلها هيّنها وصعبها » إلى آخر الحديث .
وإن شئت قلت : تركهما يؤدي إلى فساد المجتمع كله وإشاعة الفحشاء والمنكر فيجبان من باب المقدمة للواجب ، هذا ولكن القدر المتيقن منه هو وجوب الانكار والأمر باللسان واليد ، أمّا بالقلب ، فلا يمكن إثباته بدليل العقل ، اللّهم إلّا أن يقال : لو لم ينكر بقلبه اثّر ذلك في عمله بيده ولسانه ، فوجوبه أيضا من باب المقدمة فتأمل .
هذا وقد يقال : « إنّ المراد من الانكار بالقلب ما يظهر آثاره في الوجه » ووجوبه حينئذ ظاهر .
هذا ولكن الأمر سهل بعد كون الكلام في الانكار أو الأمر باليد ، والظاهر أن وجوبهما بدليل العقل ثابت في جميع مراتبه حتى القتل في الجملة ، فلو لم يرتدع الفاعل للمنكر وكان وجوده منشأ لفساد عظيم في المجتمع جاز قتله بحكم العقل ، ودخل في عنوان المفسد في الأرض في الجملة .
هامش
( 1 ) . مختلف الشيعة ، ج 1 ، ص 158 .
( 2 ) . وسائل الشيعة ، ج 11 ، الباب 6 من أبواب الأمر بالمعروف ، ح 1 .