بأحكامه وتعليماته حتى يقال لا نسلم تقديم الاستعمالات العرفية على القرآنية ، نعم للبحث في الصغرى مجال ، ولكن لا ينبغي الإشكال في الكبرى بعد قبول لزوم الإنشاء بما هو متفاهم العرف في كل عصر وزمان ، فتدبّر جيدا .
ألا ترى أنّ لفظ « المكروه » في عرف القرآن يطلق على أكبر المحارم ، كما ورد في قوله تعالى :
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
« 1 » . بعد ذكر أكبر المحرمات كالزنا وقتل النفوس الأبرياء ، وأكل مال اليتامى ، في الآيات السابقة عليها ، مع أنّ هذه الكلمة صارت حقيقة في المكروه في مقابل الحرام ، في عرف أهل الشرع في الأعصار المتأخرة ، وعلى كل حال فالانصاف أنّ إيجاب البيع بلفظ « شريت » بدون ذكر قرينة مشكل في هذه الأعصار .
هذا واحتمل جواز الإيجاب بلفظ « اشتريت » وحكاه في مفتاح الكرامة عن بعض نسخ التذكرة ، وتعليق الإرشاد ، وهذا أشكل من سابقه جدّا ، لأنّ الاشتراء في القرآن المجيد لم يستعمل إلّا في مقابل البيع ، فقد ورد واحد وعشرون مرّة في القرآن بصيغة « اشترى » و « اشتروا » و « تشتروا » و « يشترون » وغير ذلك كلها بالمعنى الذي ذكرنا ، غير مورد واحد وهو قوله تعالى :
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
« 2 » .
فان ظاهر الآية كما ذكر جمع من المفسرين أنّه بمعنى « البيع » فقد باعوا أنفسهم الكريمة بثمن قليل من متاع الدنيا وزخارفها ، مع أنّه ليس لها ثمن إلّا الجنّة كما قال به أمير المؤمنين علي عليه السّلام في ما ورد في نهج البلاغة « 3 » .
ولكن ناقش فيه في « المصباح » بما حاصله : إنّ علماء اليهود اشتروا أنفس العوام بثمن بخس ، وهو التوادّ والتحاب إليهم ، كما أنّ العوام اشتروا أنفسهم علماءهم بثمن زهيد ، وهو ما منحوهم من البر والصلة ومتاع الدنيا ، فصار كل منهما مشتريا لنفوس الآخرين « 4 » .
ولا يخفى ما فيه من التكليف والتعسف الشديد المخالف لظاهر الآية الموجب لعدم
هامش
( 1 ) . سورة الإسراء ، الآية 38 .
( 2 ) . سورة البقرة ، الآية 90 .
( 3 ) . كلمات القصار ، 456 .
( 4 ) . مصباح الفقاهة ، ج 3 ، ص 21 .