القول والوعد ، وإنّما تتحقّق الاستطاعة البذلية بالبذل والإعطاء الخارجيّين ولو تدريجاً ، ولذا لو قال : حجّ وعليّ نفقتك ولم يعطه شيئاً من المال خارجاً لم يجب عليه الحجّ قطعاً ، مع أنّ البذل الإنشائي قد تحقّق ، ويكشف ذلك عن أنّ الموجب للاستطاعة البذلية إنّما هو البذل الخارجي والمفروض أنّه غير متحقّق في الخارج .
والحاصل : أنّ الاستطاعة البذلية لا تتحقّق بإعطاء مال الغير ، وإنّما تتحقّق بإعطاء المال غير المغصوب وهو غير حاصل في المقام ، والمفروض أنّ الاستطاعة الماليّة مفقودة أيضاً ، فلا موجب للحجّ أصلًا لا الاستطاعة المالية ولا البذلية ، فالصورتان مشتركتان في الحكم ( « 1 » ) .
وبعبارة أخرى : أنّ مجرّد إنشاء البذل لا يكون موضوعاً للوجوب ما لم يكن وفاء به ، والمال الذي أعطاه لم يكن للباذل سلطان فيه ، فلا يكون وفاءً بالبذل ليجب على المبذول له حجّة الإسلام ( « 2 » ) .
ثمّ إنّ قرار الضمان على الباذل في الصورتين ( « 3 » ) ، لكن المالك كما له أن يرجع بمثل ماله المغصوب منه أو بقيمته على الشخص الباذل ، كذلك له أن يرجع به على المكلّف المبذول له .
واستدلّ على جواز رجوعه إلى الباذل بأنّه أتلف مال الغير واستولى عليه عدواناً ، فمقتضى قاعدة اليد المؤكّدة بالسيرة العقلائية هو الضمان من دون فرق بين كون الباذل عالماً بالغصب أو جاهلًا .
ولم يستند الضمان إلى قاعدة الغرور حتى يفرّق بين صورتي العلم والجهل ( « 4 » ) ، بل المستند هو بناء العقلاء وسيرتهم القاضية بالضمان حتى في صورة الجهل .
واستدلّ على جواز الرجوع إلى المبذول له أيضاً بأنّه قد أتلف المال بنفسه وتصرّف فيه تصرّفاً عدوانيّاً من دون فرق بين كونه عالماً بالغصب أو جاهلًا به .
وإذا رجع المالك إلى الباذل بالبدل وأعطاه الباذل لم يكن للباذل الرجوع إلى
هامش
( 1 ) معتمد العروة ( الحجّ ) 1 : 192 .
( 2 ) التهذيب في مناسك العمرة والحجّ 1 : 109 .
( 3 ) العروة الوثقى 4 : 410 ، م 52 .
( 4 ) انظر : العروة الوثقى 4 : 410 ، م 53 ، تعليقة الخوانساري .