من استطاعة البدن صحّته ، بأن يتمكّن من الركوب والسفر من دون أن يلزم منه مشقّة لا يمكن تحمّلها عادة ، فقوله عليه السلام في حديث السكوني - المتقدّم - : « ليس استطاعة البدن » نفي لكفاية صحّة البدن في وجوب الحجّ ، لا نفي كفاية القدرة على المشي ، ولا أقلّ من احتمال ذلك ( « 1 » ) .
الوجه الثاني : أنّ المراد من الطائفة الثانية بيان فضل الحجّ المندوب والترغيب فيه ، وأنّه لا بأس بتحمّل هذه المشاقّ نحو ما ورد في زيارة الإمام الحسين عليه السلام وغيره من الأئمّة عليهم السلام ، وكون ذلك وقع تفسيراً للآية غير منافٍ بعد أن فسّرت النصوص استطاعة الواجب بالزاد والراحلة واستطاعة المندوب بذلك ، فيكون المراد من الآية القدر المشترك ( « 2 » ) .
ويرد عليه : أنّه يبعّده سياق الروايات المذكورة ؛ فإنّ استنكار الاستحياء يناسب الوجوب ، وكذا قوله عليه السلام في صحيح معاوية بن عمّار - المتقدّم - : « إنّ حجّة الإسلام . . . » ، مع أنّها مفسّرة للاستطاعة في الآية الشريفة ، ومن الواضح أنّ الحكم فيها للوجوب ، وحملها على القدر المشترك بين الوجوب والندب بعيد ؛ إذ لا يناسب قوله تعالى في الآية الشريفة :
« وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »
( « 3 » ) ( « 4 » ) .
الوجه الثالث : ما ذكره الفاضل الاصفهاني وغيره من حمل الطائفة الثانية على من استقرّ عليه الحجّ ، وحمل الطائفة الأولى على حجّة الإسلام ( « 5 » ) .
ويرد عليه : أنّ صحيح معاوية الوارد في من حجّ مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يأبى عن هذا الحمل ، فإنّه لم يكن الحجّ ثابتاً على من حجّ معه صلى الله عليه وآله وسلم قبل تلك السنة ( « 6 » ) .
الوجه الرابع : أن تحمل الطائفة الثانية على ضرب من التقيّة ؛ لأنّ ذلك مذهب بعض علماء الجمهور ( « 7 » ) .
وفيه : أنّ الحمل على التقيّة فرع
هامش
( 1 ) انظر : الحجّ ( الشاهرودي ) 1 : 99 .
( 2 ) الاستبصار 2 : 141 ، ذيل الحديث 458 . وانظر : جواهر الكلام 17 : 251 .
( 3 ) آل عمران : 97 .
( 4 ) انظر : مستمسك العروة 10 : 70 .
( 5 ) كشف اللثام 5 : 92 . الرياض 6 : 34 .
( 6 ) انظر : مستمسك العروة 10 : 71 .
( 7 ) انظر : الاستبصار 2 : 141 ، ذيل الحديث 458 . الرياض 6 : 34 - 35 .