لا يحتمل فيها الوجوب الشرعي الأعم من النفسي والغيري والطريقي ، وأنّ وجوبها متمحّض في الوجوب العقلي .
وذلك لأنّ القول بالوجوب النفسي لا وجه له سوى توهّم أنّ تعلم الأحكام الشرعية واجب بدعوى استفادته من مثل ما ورد : « طلب العلم فريضة . . . » ( « 1 » ) ، أو قوله تعالى :
« فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » *
( « 2 » ) وغيرهما ممّا استدل به البعض .
وقد نوقش هذا القول بأنّ تعلم الأحكام ليس بواجب نفسي وإنّما التعلم طريق إلى العمل ، كما ورد في بعض الأخبار : « إنّ العبد يؤتى به يوم القيامة فيقال له : هلّا عملت ؟ فيقول : ما علمت ، فيقال له : هلّا تعلّمت » ( « 3 » ) .
فالمستفاد منه أنّ المراد هو العمل ، وعليه لا يكون التعلّم متعلّقاً للوجوب النفسي .
وكذلك ينتفي القول بالوجوب الغيري ؛ لأنّ مقدّمة الواجب لو قيل بكونها واجبة شرعاً وجوباً مولوياً فهو مختص بالمقدمات الوجودية للواجب ، وهي ما يتوقف حصول الواجب خارجاً عليها ، ولا يكون الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط كذلك ، بل هي طرق لحصول اليقين أو الحجّة على تفريغ الذمة وحصول الامتثال أي كالمقدّمات العلمية ، كما ذكر مفصلًا في أصول الفقه .
وكذلك ينتفي القول بالوجوب الطريقي ، لأنّ المراد به ما وجب لتنجيز الواجب أو التعذير عنه ، ولا معنى محصّل للوجوب الطريقي في الاحتياط ، فإنّه ليس منجزاً للواقع بوجه ؛ لأنّ الأحكام الواقعية متنجّزة قبل وجوب الاحتياط بالعلم الإجمالي أو بالاحتمال أو لوجود الأمارات القائمة عليها في مظانّها ، كما أنّه لا معنى للاحتياط بمعنى المعذّرية ؛ لأنّه لا يتصور فيه مخالفة للواقع .
وكذلك الاجتهاد والتقليد لا معنى للوجوب الطريقي فيهما بالإضافة إلى التنجيز ؛ لأنّ الأحكام الشرعية تنجّزت قبل الأمر بهما بالعلم الإجمالي بوجود
هامش
( 1 ) ( ) الوسائل 27 : 35 ، ب 4 من صفات القاضي ، ح 15 .
( 2 ) ( ) النحل : 43 . الأنبياء : 7 .
( 3 ) ( ) بحار الأنوار 2 : 29 ، 180 ، عن أمالي الشيخ المفيد ، وما أوردناه بالمضمون .