فعمومات أدلّة القصاص والضمان محكمة ( « 1 » ) .
وهذا النقاش إن تمّ فقد يتمّ في باب القصاص ونحوه لا في مثل المقام الذي لا إشكال في جواز أمر المريض الطبيب بالعلاج ولو أدّى إلى التلف ؛ فإنّه جائز تكليفاً ، ومن حقه وضعاً شرعاً وعقلائياً .
فتسلّط الإنسان على نفسه في مثل هذه الموارد لا إشكال فيه بمقتضى السيرة العقلائية الممضاة وبنصّ الأدلّة اللفظية الدالّة على أنّه لا يحل مال ودم امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه ، وبذلك يرفع اليد عن إطلاق أدلّة الدية في الجنايات .
إلّا أنّ هذا الوجه يتوقف على أن يؤخذ الإذن في العلاج وإن أدّى إلى التلف ، فلا يكفي مجرد الإذن في العلاج ؛ لأنّ الإذن فيه ليس إذناً في الاتلاف .
وعلى أساس هذا الوجه لا يكون أخذ البراءة في المقام من باب الإبراء المصطلح ، بل من باب أخذ الإذن في الاتلاف ، والحديث المتقدم قابل للحمل على هذا الوجه حيث لم يصرّح فيه بالابراء ، وإنّما عبّر بأخذ البراءة ، وهو بمعنى أخذ عدم الضمان وعدم كونه مشغول الذمّة ، وهذا التعبير ينسجم أيضاً مع أخذ الاذن وطيب نفس المريض ورضاه بالاتلاف المحتمل حصوله بالعلاج .
3 - واستدل للصحة أيضاً بالضرورة والحاجة ؛ لأنّ الناس مضطرّون إلى العلاج والاستعانة بالطبيب في ذلك ممّا قد يكون موجباً للتلف ، فالحكمة تقتضي أن تسوّغ الشريعة صحّة الإبراء وسقوط الضمان به عن الطبيب ، وإلّا فلو حكم الشارع بالضمان لحصل الضرر والضيق والعسر على المريض من خلال تعذّر العلاج عليه نتيجة امتناع الأطباء عن المعالجة خوفاً ممّا قد يتعقبه من الضمان ( « 2 » ) .
هامش
( 1 ) راجع : مباني تكملة منهاج الصالحين 2 : 16 .
( 2 ) راجع : الشرائع 4 : 248 . المختصر النافع : 291 . النهاية ونكتها 3 : 420 . كشف الرموز 2 : 637 . القواعد 3 : 650 - 651 . التحرير 5 : 528 . الايضاح 2 : 278 . التنقيح الرائع 4 : 470 . المهذب البارع 5 : 262 . جامع المقاصد 7 : 281 . الروضة 10 : 110 . المسالك 15 : 327 . مجمع الفائدة والبرهان 10 : 78 . كشف اللثام 2 : 483 حجري . مفتاح الكرامة 10 : 273 . الرياض 10 : 401 . جواهر الكلام 27 : 293 . وأيضاً 43 : 47 . جامع المدارك 6 : 188 .