« أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »
سواء كان متعارفاً أم لا ؛ فإنّ عدم التعارف لا يمنع العموم . على أنّه متعارف - كما أشار إليه بعض الفقهاء - بل قد يصدق عليه عنوان التجارة والتكسّب أيضاً ؛ لما فيه من النفع المالي للطرفين ، ويمكن أن نسمّيه بالإباحة العقديّة .
إلّا أنّه ينبغي البحث عندئذٍ في مضمون هذه الإباحة العقديّة من جهتين :
الأولى - فرقها عن الإجارة التي يصحّ فيها أيضاً للغير التصرّف والانتفاع بالعين المستأجرة .
وحاصلها : أنّه في الإجارة تنتقل المنفعة أو حقّ الانتفاع والتسلّط على العين إلى المستأجر وتخرج عن حقّ مالك العين ، ومن هنا تكون الإجارة من عقود التمليك ونقل الحقّ إلى الغير ، وهذا بخلاف الإباحة العقديّة ؛ فإنّها ليست متضمّنة لانتقال شيء من المبيح إلى المباح له ، وإنّما مجرّد الإذن وإباحة التصرّف ما دام المال مملوكاً له مع بقائه رقبةً ومنفعة على ملك مالكه .
الثانية - أنّ الالتزام بالإباحة هل يكون على غرار الالتزام بالأفعال ، فالمبيح في الإباحة العقديّة يبيح ماله للغير ويلتزم بإبقاء هذه الإباحة والإذن في المدّة المقرّرة ما دام المال في ملكه ، أو أنّه ينشئ عنوان الإباحة والمأذونية على غرار إنشاء النتائج والإضافات الوضعيّة الاعتباريّة ، كإنشاء الملكيّة والزوجيّة والحقوق الوضعيّة الأخرى ؟
ظاهر جملة من القائلين بكون الإباحة المعوّضة عقداً مستقلًاّ هو الثاني ، وظاهر بعضهم الأوّل .
والظاهر أنّ نقاش المحقّق النائيني وبعض من تابعه بأنّ الإباحة حكم شرعي وليس طرفاً لإضافة اعتبارية إلى المالك ، فلا معنى لإنشائه من قبل المبيح يرجع إلى هذا المعنى للإباحة العقديّة . وهذا نقاش وجيه .
ويترتّب على كلٍّ من التحليلين والتفسيرين للإباحة العقديّة أثر مهمّ ؛ فإنّه على الأوّل يكون رجوع المبيح مؤثّراً في ارتفاع الإباحة وإن كان ممنوعاً عليه تكليفاً ومحرّماً .
وعلى الثاني يكون رجوعه غير مؤثّر ، فتكون الإباحة المعوّضة على هذا لازمةً