الحديدة وبين العصا والعود والحجر ممّا ليس بحسب طبعه محدّداً ولا معدّاً للقطع والفري وإن كان يمكن القطع بها أيضاً مع العناية والمشقة ، وبقرينة ذكر ذلك مقابل السكّين والمدية - كما في روايات الجمهور - وبالقرائن الأخرى التي ذكرناها ، بل قد عرفت أنّ الأصحاب أيضاً فهموا دلالة هذه الروايات ، بل نظروا إلى حيثيّة المحدّدية ولم يستشكلوا في ذلك ، وإنّما حاولوا استفادة مجمع الحيثيتين ، والذي عرفت أنّه إمّا ممتنع أو خلاف الظاهر .
لا يقال : يمكن استفادة اشتراط المحدّدية من فرض الذبح في الروايات ، والذي لا يكون عادة إلّا بالشيء المحدّد الذي يفري الأوداج ، وإلّا لم يكن يذبح به بل يقطع ، وأمّا اشتراط معدن الحديد وجنسه فيستفاد من قوله عليه السلام : « لا ذكاة إلّا بحديدة » بإرادة المعنى الجامد منها ، فلا يلزم استعمال اللفظ في معنيين وتكون النتيجة ما ذهب إليه المشهور من الجمع بين الحيثيتين .
فإنّه يقال : ليس مفهوم الذبح إلّا قطع الحلقوم والأوداج ، كما تشهد به معتبرة الشحّام ، فلا يمكن أن يستفاد من مجرّد ذكر الذبح اشتراط المحدّدية ، على أنّ الوارد في الروايات لا ذكاة إلّا بحديدة ، ولم يرد لا ذبح إلّا بحديدة لكي يتوهّم استفادة المحدّدية من الذبح ، على أنّه من المقطوع به الواضح جدّاً أنّ الحديدة في الروايات قد لوحظ فيها جنبة المحدّدية جزماً ولو بقرينة المقابلة مع العصا والقصبة والعود التي لا تكون كذلك عادة ، بل لو كان المراد المعنى الجامد لجيء بالمذكّر أي قيل : إلّا بحديد ، لا الحديدة ؛ إذ لا دخالة لكون الحديد قطعة عندئذٍ في التذكية جزماً ، بخلاف الحديدة بالمعنى المشتق فإنّها تشبه اسم الآلة ، فحمل عنوان الحديدة في الروايات على إرادة القطعة من الحديد - أعني المعدن المخصوص - غير ممكن .
لا يقال : إذا كان المقصود اشتراط المحدّدية في آلة الذبح وإرادة ذلك من عنوان
قراءات فقهية معاصرة — صفحة 56
مساهمون: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
ص٥٦