المحاولة الخامسة : إنّ النقد الحقيقي كالدرهم والدينار مال مثلي فيكون ضمانه مثلياً أيضاً ، وأمّا النقد الاعتباري فهو ليس إلّا مجرّد سند عمّا اعتبرته الجهة المصدّرة له وتعهّدت به من القيمة المعادلة والرصيد المحفوظ بإزائه عند تلك الجهة والذي يكون من الذهب عادة ، فيكون المضمون معادله من الذهب ، فلا بدّ وأن يدفع الضامن نفس ذلك المقدار من الذهب أو ما يعادله من ذلك النقد ، فيكون التضخّم ونقصان قيمة النقد مضموناً بهذا الاعتبار . وفرق هذه المحاولة عن سابقتها هو إنكار أصل المالية الاستقلالية للنقود الورقية واعتبارها مجرّد سندات على الدَّين والالتزامات .
وفيه : أنّ هذا ربّما كان صحيحاً في بعض الأدوار التأريخية التي مرّت على النقود الورقية وأمّا اليوم فلا أساس له من الصحّة .
وتوضيح ذلك : أنّ النقد الورقي قد مرَّ بأدوار أربعة :
الدور الأوّل : دور نيابتها عن أرصدتها من ذهب وفضة التي كانت مودعة في خزانة الجهة المصدّرة لها ، ولم تكن هذه الأوراق إلّا حاكية عن وجود تلك الودائع والأرصدة وسنداً محضاً عليها .
الدور الثاني : حينما أحسّ المصدّرون لتلك الأوراق بأنّهم غير مضطرّين إلى الاحتفاظ بتلك الأرصدة والودائع بمقدار الأوراق الصادرة ؛ لأنّ أصحابها سوف لن يطالبوهم جميعاً في وقت واحد بتسليمها فتبدّلت بالتدريج فكرة الاحتفاظ بالأرصدة والنقود الحقيقية كوديعة لصاحبها إلى فكرة التعهّد والضمان من قِبل الجهة المصدّرة لتلك الأوراق بدفع الرصيد لمن جاء بالورقة إلى مُصدّرها فاستطاعت تلك الجهة أن تستفيد ممّا أودع عندها من الذهب والفضة أعني النقود الحقيقة ؛ لأنّها أصبحت ملكاً لها فأعطتها لآخرين في معاملات تجارية وهم بدورهم أيضاً أودعوها عند تلك الجهة في قبال إصدار سند لهم وهكذا أمكن لتلك الجهة أن تتعهّد بأضعاف ما أودع عندها من النقود الحقيقية وإصدار سندات عليها . وبذلك أصبحت
قراءات فقهية معاصرة — صفحة 175
مساهمون: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
ص١٧٥