وهم في طريق الترجيح مختلفون ، على أن كثيرا من الأحاديث غامضة المعاني ، دقيقة عسر فهمها .
وحينئذ نقول : فإن كان العامي مطلقا حال عامّيته مكلّفا بفهم جميع ما ذكرنا ، وتحصيل الاعتقاد من الدليل في جميعها ، والبناء في الاختلافيّات إلى مبنى مستند إلى الدليل القاطع فهو تكليف بما لا يطاق .
وإن كان تابعا فيما ذكرنا العالم الذي يرجع إليه فهو تقليد له .
وحكى عن بعض معتزلة بغداد المنع عن التقليد إلّا بعد تبيّن صحّة اجتهاد المفتي ، وعدم خطأه بدليله .
وعن أبي عليّ الجبائي التجويز في المسائل الاجتهاديّة ، والمنع في غيرها « 1 » .
والكلام عليهما يظهر ممّا مرّ .
ثمّ إنّه كما يجب على العامّي استفتاء المفتي فيما مسّت له إليه الحاجة فكذا يجب على المفتي الإفتاء
، مع اجتماع الشرائط ومعرفة الحكم المطلوب ، مع الأمن من الضرر ، وانتفاء التقيّة .
وكما أنّ وجوب التقليد بالنسبة إلى أشخاص المفتين تخييري - وإن كان جنس التقليد واجبا علينا - فكذلك الإفتاء مع الشرائط المذكورة واجب كفاية .
والدليل على وجوب الإفتاء - حينئذ - أو جوازه وجوه :
منها : الإجماع ، فإنّ المخالفين في التقليد أيضا لم يرتابوا في الإفتاء .
ومنها : قبح السكوت عقلا مع اجتماع الشرائط ، مع حاجة السائل الجاهل واضطراره .
ومنها : آية النفر . « 2 »
ومنها : ما رواه في الكافي - في الصحيح - عن طلحة بن زيد - وعن العلّامة المجلسي جعله كالموثّق « 3 » ، مع أنّه بالعمل مجبور أو معتضد - :
هامش
( 1 ) . حكاه المحقّق في معارج الأصول : 196 .
( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 122 .
( 3 ) . مرآة العقول 1 : 133 .