عقلت فأنت وكيلي ، وهو باطل بالضرورة . فالوكالة الأولى زالت بالمانع ، والثانية غير صحيحة للتعليق .
وإذا تأمّلت في أطراف هذا الكلام - الذي هو من مطارح الأعلام ، ومزالق الأفهام - عرفت أنّ الفرق ليس بذلك . ولكن قد أشرنا فيما سبق أيضا - في بحث بطلان العقد الجائز بالجنون والإغماء « 1 » - أنّ تفويض أمر إلى آخر يصير بأقسام ثلاثة :
مرّة : يكون من باب النيابة - كالتوكيل - ولازمه : العزل وعدم العود إلّا بالنصب الجديد ، وكونه تابعا للموكّل معزولا بعزله وبانعزاله وبموته وجنونه وإغمائه ، وإن بقي الوكيل عاقلا .
ومرّة : يكون من باب النصب ، بمعنى كون التفويض موجبا للولاية - كالوصيّة - فإنّها إحداث ولاية لا استنابة ، ولذلك يبقى التصرّف وان خرج المستنيب عن أهليّة التصرّف بالموت .
ومرّة : يكون بطريق بيان الحكم الشرعي ، وهو : أنّ هذا الفرض من الموضوع حكمه الولاية . وهذا لا يتبع الأصل في البقاء والعدم ، ولا يصير بالخروج عن الوصف معزولا بالمرّة ، بل كلّما عاد عاد ، كسائر الموضوعات إذا تبدّلت ثمّ عادت . فإنّ الخمر إذا صارت خلّا حلّت ، وإذا عادت خمرا حرمت ، لدوران الحكم مدار الاسم .
والظاهر أنّ ولاية الحاكم الشرعي من قبيل بيان الحكم ، وجعل المعصوم كاشف ، لا من قبيل التوكيل ، ولا من قبيل النصب وان كان قوله عليه السّلام في الخبر : « إنّي جعلته عليكم حاكما » « 2 » يدلّ على النصب ، والمقام مقام تأمّل وتدبّر .
ويمكن القول بالتوكيل ، والتمسّك في عود الوكالة بالإجماع ، وهو بعيد .
وبالجملة : نصب الحاكم دائر مدار هذه الأمور الثلاثة ، وإن كان أظهرها ما ذكرناه .
* * *
هامش
( 1 ) . بحث عنه في أصل الكتاب في العنوان : 56 .
( 2 ) . في مقبولة عمر بن حنظلة الكافي 1 : 67 / 10 و 7 : 412 / 5 ؛ الفقيه 3 : 5 / 18 ؛ التهذيب 6 : 301 / 845 ؛ الاحتجاج 2 :
106 ؛ وسائل الشيعة 27 : 136 أبواب صفات القاضي ، ب 11 ، ح 1 . فقد نقل المصنف مضمون الخبر وفي المصدر « فإنّي قد جعلته . . . » .