إن الإسلام يرفض أن يكون الكون مجرد مادة جاهلة لا إرادة فيها ، بل يثبت - بدليل النظام - خالقا مريدا قادرا لهذا الكون خلق مادة هذا العالم ، وسيّرها بإرادته في قناة النظام العليّ القائم ، وأجرى عليها التحولات المختلفة ، وبلغ بها إلى الكمال ، ولأجل هذا لا يستغنى هذا العالم عن وجود الخالق المحيط بل هو محتاج إلى الفيض الإلهي على الدوام .
إن للعالم - في نظر الإسلام - بداية ونهاية ولوجود الإنسان والكون هدفا ، وإن الهدف من خلق الإنسان هو إيصاله إلى الكمال اللائق والمطلوب ، وذلك لا يمكن إلّا عن طريق الايمان والعمل الصالح ، حيث قال - سبحانه - :
لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
« 1 » .
وكذا قال - سبحانه - :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
« 2 » .
نعم إن السعي والاجتهاد المذكور إنما يمكن أن يورث السعادة إذا كان في خدمة البناء والإصلاح الفردي والاجتماعي ، وفي طريق توحيد اللّه وحب النوع الإنساني ، ومساعدة المحتاجين والمستضعفين في العالم ، وسلوك مثل هذا لا يتيسر إلّا بالتضحية والإيثار وتحمل أعباء المسؤولية الإنسانية والإلهية .
والإنسان إنما يشعر بالمسؤولية شعورا حقيقيا إذا عرف بأنه مخلوق لخالق عالم محيط ، وقبل بحكومته في جميع شؤون حياته ، في كلامه ، وأفعاله ، وحركاته وسكناته ورأى اللّه معه في كل حال .
هامش
( 1 ) سورة النجم : 39 .
( 2 ) سورة الإسراء : 39 .