أمّا الفقه الإسلاميّ فإنّ ترتيبه وصياغته يقومان على أساس سرد مصادر الحقوق والالتزامات وبيان أحكامها ونتائجها في كلّ مصدر بحسب أحواله ، فلم يبق مجال لأن يظهر تمييز فقهاء الفقه الإسلاميّ بين الحقّين العينيّ والشخصيّ إلّا في فروع الأحكام المتفرّقة لمن يتتبّعها .
وإذا كان فقهاؤنا لم يتّخذوا هذا التمييز بين نوعي الحقّ أساسا لترتيب فقههم - كما فعل علماء القانون الأجنبيّ - فليس في ذلك أبدا دلالة على عدم تمييز فقهائنا بين نوعي الحقّ وطبيعتهما تمييزا ذاتيّا ، إذ العبرة في هذا التمييز لفروع الأحكام لا للترتيب .
وهذا ممّا دعانا إلى صياغة فقهنا على غرار نظريّة الالتزامات القانونيّة .
والواقع أنّ فقهاءنا قد ميّزوا بين الحقّين في جميع المسائل التي يقتضي هذا التمييز فيها اختلاف الأحكام ، ولهم في ذلك أنظار دقيقة جدّا .
فمن ذلك الأمثلة التي تقدّمت « 1 » ومن ذلك أيضا تصريح فقهائنا بأنّ المبيع المعيّن إذا استحقّ من يد المشتري ينتقض عقد البيع السابق فلا يكلّف البائع إعطاء المشتري مثل المبيع الذي استحقّ من يده ، بل يستردّ المشتري ما دفع من الثمن ، لأنّ حقّ المشتري عينيّ متعلّق بعين المبيع ، فباستحقاق المبيع استحال تنفيذ البيع ، فيبطل .
أمّا إذا استحقّ الثمن من يد البائع فلا ينتقض البيع ، ولا يستردّ البائع المبيع وإن كان قائما ، وإنّما يرجع على المشتري بمثل الثمن المستحقّ ، لأنّ أصل الثمن حقّ شخصيّ للبائع في ذمّة المشتري « 2 » ، فإذا وفّاه إيّاه بمبلغ معيّن فاستحقّ هذا
هامش
( 1 ) يشير بذلك إلى أمثلة ذكرها في الفقرة 12 من كتابه .
( 2 ) ينظر إلى الفرض الغالب في الخارج من كون الثمن كلّيّا .