وقد مرّ أنّ ذكر الأعمال في حدّ الإسلام لأجل الإشارة إلى درجته العالية قال سبحانه : (
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً
) ( الحجرات / 14 )
فعلى ضوء هذين الأمرين يرث المسلم من المسلم وإن اختلفا في الأُصول والآراء إلّا من حكم بكفره كالنصيرية من الغلات ، والدروز من الباطنية وبالكفر كالمجسّمة والمجبرة .
وأمّا الضابطة الثانية : أعني كون الكفر بأقسامه ملّة واحدة ، يرث بعضهم بعضاً كاليهود من النصارى وبالعكس ، فهي مثل الضابطة السابقة ، نالت من الشهرة مثل ما نالت الأُولى منها .
قال الشيخ : الكفر ملّة واحدة ، فالذمي يرث من الذمي ، كما أنّ المسلم يرث من المسلم ، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري وأصحاب أبي حنيفة . وذهب قوم إلى أنّ الكفر ملل ولا يرث الذمي من الذمي ، وبه قال شريح والزهري وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق . دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم ، وروى أُسامة بن زيد أنّ النبي صلَّى اللّه عليه وآله وسلَّم قال : « لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم فجعل الكفر ملّة واحدة » . ( « 1 » )
قال ابن قدامة - بعد ما ذكر أنّ الكفّار يتوارثون إذا كان دينهم واحداً : فإن اختلفت أديانهم فاختلف عن أحمد فروى عنه : أنّ الكفر كلّه ملّة واحدة يرث بعضهم بعضاً . رواه عنه حرب واختاره الخلال ، وبه قال حماد وابن شبرمة وأبو حنيفة والشافعي وداود ، لأنّ توريث الآباء من الأبناء ، والأبناء من الآباء مذكور في كتاب اللّه ذكراً عاماً فلا يترك إلّا فيما استثناه ، وما لم يستثنه الشرع يبقى على العموم ولأنّ قول اللّه تعالى : (
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
) عام في جميعهم . وروي
هامش
( 1 ) الطوسي : الخلاف : 2 ، كتاب الفرائض ، المسألة 17 .