الأمر الثالث : في تقسيم الدليل العقلي بنحو آخر :
إنّ الحكم الشرعي المستنتج من الحكم العقلي على قسمين : فتارة لا يتوقّف الاستنتاج على القول بالتحسين والتقبيح العقليين ، وأُخرى يتوقّف ، ويعدّ القول بهما من مبادئ الأحكام ولولاهما لكان الاستنتاج عقيماً .
أمّا الأوّل : فهو كالقياس ( التمثيل حسب اصطلاح المنطقيين ) في فقه أهل السنّة ، وتنقيح المناط أو التمسّك بالعلّة المنصوصة في فقه الشيعة ، فالتشابه بين الخمر والنبيذ ربّما يصير سبباً لوحدة الحكم ، والوقوف على مناط الحكم الذي يدور الحكم مداره وجودا وعدماً ربّما يصير سبباً لتسرية الحكم إلى غير المنصوص من الموارد . وليس الاستدلال في الموردين مبنياً على التحسين والتقبيح العقليين .
وأمّا الثاني : فهو كالحكم بالبراءة في الشبهات البدئية ، استناداً إلى قبح العقاب بلا بيان أو الحكم بالاشتغال ، استناداً إلى عدم قبحه بعد تمامية البيان ، إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية المستنبطة بالعقل عن طريق القول بالتحسين والتقبيح العقليين .
وقد طرح الشيخ القسم الأوّل في رسالة القطع وقال بحجية القطع الحاصل من الأدلّة العقلية بالنسبة إلى الحكم الشرعي وقد بحثنا عنه في ذلك المقام ، والمطروح في المقام هو القسم الثاني .
الأمر الرابع : في تعدد المسألتين :
لا شكّ أنّ هنا مسألتين ، إحداهما : استقلال العقل بالتحسين والتقبيح ، والأُخرى : ملازمة ذلك الادراك مع الحكم الشرعي بالوجوب والحرمة . والدليل على التعدد ، هو أنّ بعض الأخباريين كالفاضل التوني يسلِّم المسألة الأُولى بضرورة