تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
) . « 1 » قد ذكر كثير من المفسّرين هاهنا قصة الغرانيق ، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظناً منهم انّ مشركي قريش قد أسلموا ، ولكنّها من طرق كلّها مرسلة ، ولم أرها مسندة من وجه صحيح . قال ابن أبي حاتم : حدّثنا يونس بن حبيب ، حدّثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، قال : قرأ رسول اللّه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - بمكة النجم ، فلمّا بلغ هذا الموضع : (
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
) ، قال : فألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى وانّ شفاعتهن ترتجى ، قالوا : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية : (
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
) . « 2 » لا يشكّ أي مسلم عارف بحقّ النبي الخاتم في أنّ القصة مكذوبة ، والأدلّة على نزاهة النبي عن هذه ، كثيرة ، ويكفيك انّ سورة الحجّ مدنية أمر فيها بالأذان بالحجّ وأذن فيها بالقتال وأمر فيها بالجهاد ولم يكن هذا الأمر وهذا الإذن إلّا بعد الهجرة بأعوام . وانّ الذي بين ذلك ، وبين الوقت الذي يجعلونه لخرافة الغرانيق أكثر من عشرة أعوام . ولو أغمضنا عن ذلك ، إذ لا مانع من كون السورة مكية وبعض آياتها مدنية ، لكفى في إبطالها ما أقمنا عليه في
هامش
( 1 ) الحج : 52 - 54 . ( 2 ) تفسير ابن كثير : 4 / 655 ؛ ولاحظ تفسير الطبري : 17 في تفسير نفس الآية ، ص 131 ، وغيرهما .