تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
الذي تدّعون أي السالب للاختيار . وأمّا جذور هذه العقيدة وانّها كيف تسرّبت إلى الجزيرة العربية حتّى سادت على المشركين فقد ظلّت مجهولة ؟ والعجب انّ رسوبات فكرة الجبر بقيت بعد بزوغ نجم الإسلام وسادت حال حياة الرسول وبعد رحيله أيضاً . روى الواقدي في مغازيه عن أُمّ الحارث الأنصارية وهي تحدِّث عن فرار المسلمين يوم حنين قالت : مرّ بي عمر بن الخطاب منهزماً ، فقلت : ما هذا ؟ فقال عمر : أمر اللّه . « 1 » ومعنى ذلك انّه لم يكن دور للغزاة من المسلمين في هزيمة حنين ، وقد كانت الهزيمة تقديراً قطعياً من اللّه ولم يكن محيص من التسليم امامه . وهذا هو نفس الجبر لا يفترق عنه قيد شعرة ، مع أنّه سبحانه يقول : (
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
) . « 2 » وقد أشار سبحانه إلى عامل الهزيمة وأنّه أمران : الأوّل : إعجابهم بكثرتهم ، فاعتمدوا على الكثرة ، مكان الاعتماد على اللّه سبحانه أوّلًا وعلى قواهم الذاتية ثانياً كما يقول : (
إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
) . الثاني : الانسحاب عن ساحة الحرب بدل الثبات ، كما يقول سبحانه (
ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
) مع أنّهم أُمروا بالثبات كما يقول تعالى : (
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ
) . « 3 »
هامش
( 1 ) المغازي : 3 / 904 . ( 2 ) التوبة : 25 . ( 3 ) الأنفال : 15 .