الأمر الثاني تنمية العلم في ظلّ القول بنظام الأسباب والمسبّبات
قد أوضحنا في محاضراتنا في « الإلهيات » انّ القول بأنّ المادة لم تزل أزلية ، ولو صارت ذات سنن وقوانين فإنّما هي وليدة الصدفة ، لا يدفع بالإنسان إلى التحقيق وسبر أغوار الطبيعة ، وذلك إذ لا علم له بوجود سنن وأنظمة في داخل العالم حتّى يبحث عنه الإنسان ، فلا محيص للباحث في سنن العالم والمستطلع للحقائق السائدة فيه - قبل الفحص عن السنن - عن اعتناق نظرية الخلقة وهي انّ العالَم مصنوع علم وقدرة واسعة ، أخرجه من العدم إلى الوجود وأجرى فيه سنناً وأنظمة .
والحاصل : انّ الذي يبعث الإنسان إلى الفحص عن النظم والسنن هو نظرية الإلهيّين وهو انّ العالم مخلوق موجود واجب عالم قد مر ، وأمّا النظرية الأُخرى أي عدم تدخّل علم وقدرة في النظم والسنن فيعرقل خُطا الباحث عن الغور في العالم .
هذا هو الذي أوضحنا حاله في « الإلهيات » .
فنقول : إنّ إنكار العلل والمعاليل والأسباب والمسبّبات والاعتقاد بعلّة واحدة مكان العلل نظير القول بأنّ النظام مخلوق صدفة ، وذلك لأنّ الذي يبعث الباحث عن الوجود وأسراره هو اعتقاده بأنّ كلّ ذرة في ذات هذا العالم مشتملة