تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
الكشف فقال : اعلم يا أخي أنّ هذه المسألة من أدقّ مسائل الأُصول وأغمضها ، ولا يُزيل إشكالها إلّا الكشف الصوفي ، أمّا أرباب العقول من الفِرَق فهم تائهون في إدراكها ، وآراؤهم فيها مضطربة . إذ كان أبو الحسن الأشعري يقول : ليس للقدرة الحادثة ( قدرة العبد ) أثر ، وإنّما تعلّقها بالمقدور مثل تعلّق العلم بالمعلوم في عدم التأثير . وقد اعترض عليه بأنّ القدرة الحادثة إذا لم يكن لها أثر فوجودها وعدمها سواء ، فإنّ قدرة لا يقع بها المقدور ، بمثابة العجز . ولقوة هذا الاعتراض لجأ أصحاب الأشعري إلى القول بالجبر . وقال آخرون إنّ لها تأثيراً ما ، وهو اختيار الباقلاني ، لكنّه لما سئل عن كيفية هذا التأثير في حين التزامه باستقلال القدرة القديمة في خلق الأفعال ، لم يجد جواباً . وقال : إنّا نلتزم بالكسب لأنّه ثابت بالدليل ، غير أنّي لا يمكنني الإفصاح عنه بعبارة . وتمثل الشيخ أبو طاهر بقول الشاعر :
إذا لم يكن إلّا الأسنّة مركباً * فلا رأي للمضطر إلّا ركوبها
ثمّ قال : ملخص الأمر : أنّ من زعم أنّه لا عمل للعبد ، فقد عاند ، ومن زعم أنّه مستبد بالعمل ، فقد أشرك ؛ فلابدّ من القول بأنّه مضطر على الاختيار . « 1 » هذا ، وقد أحسن الشيخ في نقد الكسب ولكن الإحالة إلى الكشف الصوفي إحالة إلى المجهول ، أو إحالة إلى إدراك شخصي لا يكون حجّة للغير .
هامش
( 1 ) اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر : 139 - 141 .
الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف — صفحة 145 | الشيخ جعفر السبحاني