يعملون خبير . فأجابه علي عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وقال : » أما ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل فإن الله يقول :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
« 1 » وأنا من أن أكون مقصراً فيما ذكرت أخوف ، وأما ما ذكرت من أن الحق ثقل عليهم ففارقونا لذلك ، فقد علم الله أنهم لم يفارقونا من جور ، ولم يدعوا إذ فارقونا إلى عدل ولم يلتمسوا إلا دنيا زائلة عنهم كان قد فارقوها وليسألن يوم القيامة أللدنيا أرادوا أم لله عملوا ، وأما ما ذكرت من بذل الأموال واصطناع الرجال فإنا لا يسعنا أن نؤتي امرأ من الفيء أكثر من حقه ، وقد قال الله وقوله الحق :
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
« 2 » ، وبعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وحده فكثّره بعد القلة ، وأعز فئته بعد الذلة ، وإن يرد الله أن يولينا هذا الأمر يذلل لنا صعبه ، ويسهل لنا حزنه ، وأنا قابل من رأيك ما كان لله رضى ، وأنت من آمن أصحابي وأوثقهم في نفسي وأنصحهم وأرآهم عندي « « 3 » .
وقد مر في قول علي عليه السلام المتقدم أحد المفاهيم المعنوية المهمة في التربية العسكرية والجهادية التي يتربى عليها المقاتل المسلم وهو الإمداد الغيبي والعون الإلهي في قتاله ، وذلك في قوله تعالى :
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
، فيجعل المقاتل المسلم عظيماً في الجانب المعنوي ، فلا يفكر بأي شيء إلا باثنين : إما النصر وإما الشهادة . وأما في الجانب المادي فيجعل منه طاقة هائلة تحسب له الأعداء ألف حساب ، فلا يتردد ولا يخاف ، يقاتل بروحية عالية ، لأنه يعلم أن قتاله في سبيل الله ومن أجله ، وقد سعى الإمام علي عليه السلام لترسيخ هذا المفهوم في مواطن كثيرة ، ومنها في نصيحته لعمر حينما استشاره بشأن الشخوص لقتال الفرس فقال له :
» وأما ما ذكرت من عددهم ( الفرس ) فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة « « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة فصلت : 46 .
( 2 ) سورة البقرة : 249
( 3 ) الغارات : ج 1 ص 46 .
( 4 ) نهج البلاغة : الخطب 146 .