ولا تثور على أحد ، فتبدأ بما تريد من الحلق ، فإذا رأوك فعلت تبعوك وعلموا أن الأمر حتم لا هوادة وهم مؤمنون بك ، محبوك ومضحّون لك ، فاستقر قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على رأي أم سلمة وفكرها الثاقب فقام من فوره ، وحلق أمامهم وصدّق رأي أم سلمة فلم يخالفه المسلمون حين رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى فعلوا مثله من الحلق ، ثمّ رجعوا إلى المدينة موفين بعهدهم مؤمنين بحكمة نبيّهم « 1 » ، وبذلك اجتمع شملهم وتوحّدت صفوفهم واتّحدت كلمتهم ولم يخذلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بل كانوا معه وإن كان في نفس بعضهم شيء ، وقد ذكر بعض المفسرين إن هذا كان فتحا مبينا لأنه انتهى إلى الفتح ، مثل :
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
« 2 » حيث أنزل الله سبحانه وتعالى حينئذ :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
« 3 » ، لكن بعضهم ذكر أن السورة نزلت بعد فتح مكة ، وعلى أي حال فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم استشار امرأة في هذه القصة الخطيرة ونفّذ رأيها .
ومن المعلوم أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
« 4 » لكن ضعاف النفوس من المسلمين لم يتمكنوا أن يحتملوا مثل هذا الأمر الذي كان ظاهره مشينا ، وبعد رأي حصيف أخذه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من امرأة ظهرت به حكمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وصدق الواقع الذي أشار إليه وأن عمله كان وفق الحكمة والصواب .
دلالات مبدأ الاستشارة
1 . في هذه المشاورات « 5 » دلالة على لزوم أن لا يستبد الحاكم برأيه دون مشورة
هامش
( 1 ) راجع مستدرك الوسائل : ج 9 ص 313 .
( 2 ) سورة القمر : 1 .
( 3 ) سورة الفتح : 1 - 4 .
( 4 ) سورة النجم : 3 - 4 .
( 5 ) التي مر ذكرها وغيرها أيضا ، وقد جمعنا بعضها في كتاب فكانت زهاء عشرين .