المكان الذي دُفن فيه إسماعيل وهاجر ، والذهاب إلى المدينة وعدم البقاء في مكّة ، فلم تعد مكّة دار النور ، بل هي دار الظلمة . وبعد هجرة النبيّ إلى المدينة ، جاء مرّة أو مرّتين إلى مكّة ، لكنّه لم يلبث فيها إلّا قليلًا ، وكان يقول : لا احبّ أن أعود ثانية إلى تلك المدينة التي هاجرت منها ، مع أنَّ الله تعالى يعلم شدّة شوقه القلبيّ ورغبته في مكّة ، لكنّ مكّة قد فقدت معنويّتها بعد ما ارتفع فيها لواء أبي سفيان ومَن سار في ركبه ، وبات الإنسان فيها تحت الظلم والضغط ، فغدت دار الظلمة ، وعلى النبيّ أن يطوي الصحاري ليجد مكاناً على بُعد ثمانين فرسخاً في المدينة ، حيث يجد
مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً
ليتمكّن بعد ذلك من هزيمة الكفّار وإعلاء الدين وإقامة الحكومة .
لقد تمّ تأسيس حكومة الإسلام منذ ذلك الوقت الذي جاء فيه النبيّ إلى المدينة ، فطيلة بقاء النبيّ في مكّة ( ثلاث عشرة سنة ) لم يكن ثمّة حكومة ، ولم يكن حتّى مجرّد دعوة خاصّة أو عامّة دون لتأسيس حكومة ؛ وقد شكّلت الحكومة عندما هاجر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .
ينبغي للحاكم إصلاح نفسه قبل إصلاح الناس
يكتب سيّد الشهداء عليه السلام إلى أهل الكوفة :
فَلَعَمْرِي ، مَا الإمَامُ إلَّا الحَاكِمُ بِالكِتَابِ ، القَائِمُ بِالقِسْطِ ، الدَّائِنُ بِدِينِ الحَقِّ ، الحَابِسُ نَفْسَهُ عَلَى ذَاتِ اللهِ ؛ وَالسَّلَام .
أي الحاكم الذي حبس نفسه على أوامر الله ونواهيه ورضاه ومطلوباته وتجلّياته ، ولم يكن له من همّ وغمّ سوي تحصيل رضا الله ، وكلّ نومه ويقظته وحركاته وسكناته موقوفة على الله ، فهذا هو الإمام .
وجملة
فَلَعَمْرِي مَا الإمَامُ
مطلقة ، ولئن كان لفظ الإمام ينحصر في ذلك الزمان برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمير المؤمنين عليه السلام والإمام الحسن والإمام الحسين عليهم السلام ، ولا يزال بقيّة الله