طرف واحد تفضّلًا منه وتوسّعاً . فجعل جزاء عباده في التزامهم بأوامره زيادة الثواب وسعة الرحمة ، أي ألزم نفسه أن يتفضّل عليهم .
وهذه الجملة في غاية الروعة والشموخ ، فلم يقل أمير المؤمنين : إنَّ الله قد جعل لعباده استحقاقاً على نفسه بأن يمنحهم الثواب أو الأجر ، بل قال تأدّباً :
وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ . . .
أي أنَّه مع أنَّ كلامنا في حقوق الطرفين واستحقاق كلّ منهما على الآخر لكنّه لم يستعمل لفظ الاستحقاق هنا تأدّباً ؛ فقال :
وَجَعَلَ جَزَاءَهُم عَلَيْهِ . . . .
وخلاصة المطلب وزبدته : أنَّ الله تعالى مع عظمته وقدرته وكماله وجامعيّة صفاته وجماله وجلاله إذ أوجد الموجودات والمخلوقات والعباد وأخرجها من كتم العدم إلى الوجود ، مع أنَّها لا شيء محض ، ومع ذلك فقد جعل لهم حقّاً بنحو لو أطاعوه فإنَّه يمنّ عليهم بجزيل الثواب ومضاعفة الجزاء والأجر .
ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ ؛ فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأ فِي وُجُوهِهَا ، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً وَلَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إلَّا بِبَعْضٍ .
( أي يوجد بين الناس أيضاً مَنْ لَهُ الحَقّ ومَنْ عَلَيْهِ الحَقّ ) .
ومن شدّة عدله وسعة قسطه جعل جميع هذه الحقوق متكافئة ومتساوية ، وفي كلّ موضع جعل فيه حقّاً لأحد استوجب ذلك حقّاً للآخر عليه بمقداره . وقد أوجب هذه الحقوق المتساوية والمتكافئة بشكل تامّ من دون أيّ ظلم على جميع مَنْ لَهُ الحَقّ ومَنْ عَلَيْهِ الحَقّ وفقاً للقسط والعدل .
قيام مناهج الدين بمراعاة حقوق الوالي والرعيّة
وَأعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الحُقُوقِ حَقُّ الوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الوَالِي . فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى