الكفّار قد جاءوا لحربنا فخاف النبيّ والمسلمون منهم ولم يخرجوا من بيوتهم . فهذا أمر مشين بالنسبة لنا ، فعلى الرجل أن يحمل سيفه ويخرج ، وأمثال هذه العبارات .
والخلاصة ، أنَّ النبيّ لم يكن يميل بشكل من الأشكال إلى القتال خارج المدينة ، واختار رأي القلّة من الأصحاب ، وكانت المصلحة في ذلك أيضاً . لكنَّ الإنسان سواء قُتل أم قَتل يدخل الجنّة ، فنحن نريد أن نُقتل ، وقد وعدنا الله بقبض سبعين منّا ، ونحن نتمنّى القتل . وما كانوا يعلمون أنَّهم سيفرّون من هذه الحرب ويتركون النبيّ وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وحيدين في ساحة القتال بين يدي العدوّ .
وعلى كلّ تقدير ، فقد ماشي النبيّ في تلك المرحلة آراءهم مكرهاً فخرج من المدينة ، وإن كان البعض من الذين كانوا يحثّون ويحرّضون على الخروج من المدينة قد وقفوا على المسألة واعتذروا من النبيّ وطلبوا منه البقاء في المدينة ، لكنّ النبيّ رفض ذلك قائلًا : إنَّ الله عندما يلبس نبيّاً لأمة الحرب لا يرضي له أن ينزعها دون أن يُقاتل .
لم يختر النبيّ هنا رأي الأكثريّة ، وإنَّما سايرهم . وثمّة فرق بين المماشاة والمسايرة وبين اختيار رأي الأكثريّة .
فقد يحصل للإنسان أحياناً أن يقرّ رأي الأكثريّة بعد المشورة ويعتبره أمارة على الواقع ، بما أنَّ الأكثريّة قد اختارت ذلك ، فهو أقرب وصولًا إلى الواقع ؛ فيكون هذا الإقرار اتّباعاً لرأي الأكثريّة .
وقد يختار الإنسان رأي الأكثريّة أحياناً أخرى لا لأنَّها أكثريّة ، وإنّما مماشاة لها ، ومثال ذلك لو أراد أحدكم أن يطبخ طعاماً في بيت ، وفي البيت شخصان من كبار السنّ وعدّة أطفال ، فسألهم عمّا يرغبون من الطعام . فاختار الكبيران نوعاً معيّناً ، بينما رغب الأطفال جميعاً في نوع آخر ، ففي
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام — صفحة 195
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٩٥