يقول عليه السلام : إنَّ هذه القلوب أوعية ، وأفضلها وخيرها القلب الذي تكون سعته أكبر ؛ وإنَّما تكون سعة القلب بالعلم ؛ ثمَّ يبيّن في هذا المجال بعض الأمور إلى أن يقول :
اولَئِكَ خُلَفَاءُ اللهِ فِي أرْضِهِ .
فهؤلاء هم الحجج الإلهيّة والعلماء الربّانيّون وخلفاء الله على الأرض وأصحاب الولاية ، حيث يحصر أمير المؤمنين عليه السلام الخلافة فيهم .
جميع الناس على ثلاث طوائف
أي أنّه يريد أن يقول : إنَّ الخلافة الإلهيّة على الأرض إنَّما هي بالعلم فقط ، وكلّما كانت سعة القلب للعلم أكبر ، فحظّه من الولاية أوفر ؛ وتكون الولاية الكلّيّة الإلهيّة لصاحب العلم المطلق . وإذا تجاوزنا ذلك فإنَّ الأشخاص الآخرين يتمتّعون بدرجات الولاية بحسب درجات قلوبهم وإدراكهم وعلومهم . وكلّ مَن يصل إلى العلوم الواقعيّة والحقيقيّة الإلهيّة ، فإنَّه ينال من مقام الخلافة والولاية بمقدار ما له من تلك العلوم . ثمّ قسّم الإمام عليه السلام الناس إلى ثلاث طوائف ، فقال :
النَّاسُ ثَلَاثَةٌ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ ، وَهَمَجٌ رعَاعٌ .
ف -
النَّاسُ ثَلَاثَةٌ :
أي أنَّ جميع الناس بلا استثناء لا يعدون ثلاث طوائف ، إمَّا عالم ربّانيّ ؛ أو متعلّم على سبيل نجاة ؛ أو غُثاء بلا شخصيّة ولا أصالة ، ينتشرون كما ينتشر البعوض والذباب في الفضاء ، وينعقون مع كلّ ناعق ، ويميلون مع كلّ هبة ريح .
ومن خلال قوله عليه السلام : النَّاسُ ثَلَاثَةٌ يُعلَم أنّه من ضمن التقسيم ، لأنّه عليه السلام واحد من الناس .
ثمّ يتابع الإمام عليه السلام قوله إلى أن يصل إلى قوله :
العُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ ؛ أعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ ، وَأمْثَالُهُمْ فِي القُلُوبِ مَوْجُودَةٌ .
ومن المسلّم به أنَّ قوله
العُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ
يشمل نفسه عليه السلام أيضاً ، لأنَّ الإمام لا يريد استثناء نفسه من هذا المعني .