وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ .
« 1 »
فهو لم يقل : لا تتبع أقوالهم ولا كلامهم ولا حتّى فكرهم ، وذلك لأنّ لها أصالة وواقعيّة ، لذا لم يذكر أيّاً من هذه التعبيرات ، وإنّما قال
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
والأهواء تعني الأفكار الخالية والجوفاء بلا محتوى .
وقد استعمل هذا اللفظ في كثير من آيات القرآن المجيد ، أي أنّ أفكارهم جوفاء وأهواء وباطل . لقد أنزلنا القرآن عليك بالحقّ لكي تحكم بينهم
بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ،
حيث إنّ ذلك الحكم بالحقّ . وبالطبع فإنّ هذا الحقّ قد صار متحقّقاً ،
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
ثمّ يقول بُعَيْد هذا الكلام :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ
. « 2 »
فاحذر أن تتأثّر ولو شيئاً قليلًا بآرائهم الشخصيّة وخيالاتهم ، لأنّ تلك الأهواء باطلة وشيطانيّة لا أصالة لها ، وأنّ ما أنزله الله إليك هو عين الحقّ والحقيقة .
وتقريب الاستدلال بهذه الآية الكريمة أيضاً علي وجوب اتّباع المعصوم كما سبق ، وذلك لأنّ الحكم بما أنزل الله قد فُرِّع علي نزول الكتاب بالحقّ ، أي أنّه بما أنّا أنزلنا الكتاب عليك بالحقّ ، لذا فإنّك أنت الذي يجب أن تحكم بين الناس ، أمّا مَن لم يتحقّق بالحقّ ، فليس له حقّ الحكم بين الناس .
ومن آيات القرآن المباركة الأخرى هذه الآية :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ
هامش
( 1 ) صدر الآية 48 ، من السورة 5 : المائدة .
( 2 ) صدر الآية 49 ، من السورة 5 : المائدة .