بالمثل ، نظير قوله تعالى « 1 » :
( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ )
.
وقد ذهب إلى هذا جمع من الأكابر حتى صرح الأردبيلي في محكي كلامه بجواز اعتداء المضروب بالضرب والمشتوم بالشتم كما عرفته إجمالا في البحث عن حرمة السب .
ويدل على ما ذكرناه من حمل الآيتين على الانتقام بالمثل قوله تعالى بينهما :
( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها )
. ودعوى أن الغيبة نحو من الاعتداء ، دعوى جزافية ، فإنه لا إطلاق للآيتين بالنسبة إلى المجازات بالمحرمات ، وإلا لجاز الاعتداء بالزناء ونحوه ، ولم يلتزم به أحد ، بل هو ضروري البطلان .
الثاني ان في منع المظلوم من التظلم حرجا عظيما ،
بل ربما لا يتحمله إلا الأوحدي من الناس . وفيه ان هذا لا يتم في جميع الموارد ، فان رب شخص يتحمل ما لا يحصى من المصائب الشديدة والنوائب العسرة حتى من الأشخاص الدنية بغير حرج ومشقة .
على أن في شمول دليل الحرج للمقام إشكالا ، بل منعا ، لأنه مناف للامتنان في حق المغتاب ( بالفتح ) وقد حققنا في معنى أدلة الحرج والضرر انها أدلة امتنانية ، وإنما تجري إذا لم يلزم من جريانها خلاف الامتنان في حق الآخرين .
الثالث : ان في تشريع الجواز مظنة ردع الظالم ،
وهي مصلحة خالية عن المفسدة ، فتوجب الجواز ، فإن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد على مسلك العدلية .
وفيه أن الأحكام الشرعية وإن كانت تابعة للملاكات الواقعية ، إلا أن المصلحة المظنونة لا تقاوم المفسدة المقطوعة ، لأن الظن لا يغني من الحق شيئا . على أنه ربما لا يرتدع الظالم باغتيابه ، بل قد لا يرتدع بما هو أعظم من الاغتياب ، على أن لازم هذا الوجه هو جواز اغتيابه حتى من غير المظلوم ، فان الظن بالارتداع موجود فيهما ، بل قد يكون ذكر غير المظلوم آكد في ردع الظالم .
الرابع : ما في رواية قرب الإسناد المتقدمة
في البحث عن جواز غيبة المتجاهر بالفسق وهو قوله « ع » : ( ثلاثة ليس لهم حرمة صاحب هوى مبتدع والإمام الجائر والفاسق المعلن بالفسق ) . بدعوى ان عدم احترام الإمام الجائر إنما هو لجوره ، لا لتجاهره بالفسق وإلا لم يكن قسيما للفاسق المعلن بفسقه .
وفيه أولا : انها ضعيفة السند كما عرفته في المبحث المذكور . وثانيا : يمكن ان يراد من الامام الجائر من يتقمص بقميص الخلافة على غير استحقاق ، وينتصب منصب الإمامة بغير رضى من اللّه ورسوله . ويمكن ان يراد به مطلق القاعد الذي يجوز على الناس
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية : 190 .