والنار ، والتشويق إلى دار القرار ، والترغيب إلى الله ، وإلى عبادته وطاعته .
ثم حمل على هذا كلام الشيخ في الاستبصار . وقد استشهد على رأيه هذا بوجوه :
الأول : مرسلة الفقيه ( سأل رجل علي بن الحسين « ع » عن شراء جارية لها صوت ؟
فقال : ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة ) .
الثاني : رواية أبي بصير ( قال : قال أبو عبد الله « ع » : أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس وليست بالتي يدخل عليها الرجال ) .
الثالث : الروايات « 1 » المشتملة على مدح الصوت الحسن . وعلى استحباب قراءة القرآن به وبألحان العرب ، وأن لكل شيء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن . وأن الإمام علي ابن الحسين « ع » كان أحسن الناس صوتا بالقرآن . فان المستفاد من جميعها جواز الغناء في نفسه ، بل استحبابه في خصوص القرآن ، وأن حرمته إنما تكون للأمور الخارجية التي قد تقارنه في الوجود .
أقول : يرد عليه أمور ، الأول : أن الظاهر من الروايات المتظافرة ، بل المتواترة ( من حيث المعنى ) الناهية عن الغناء ، وعن جميع ما يتعلق به هو تحريمه بنفسه مع قطع النظر عن اقترانه بسائر العناوين المحرمة ، وقد عرفت جملة منها في الهامش ، وعرفت مصادرها ، فراجع .
الثاني : أنه إذا كان تحريم الغناء إنما هو للعوارض المحرمة كان الاهتمام بالمنع عنه في هذه الروايات لغوا محضا ، لورود النهي عن سائر المحرمات بأنفسها .
الثالث : ان ما استشهد به على مقصده لا يفي بمراده ، أما مرسلة الفقيه فمضافا إلى ضعف السند فيها انها أجنبية عن الغناء نفيا وإثباتا ، كما تقدم في بيع الجارية المغنية « 2 » .
واما رواية أبي بصير فإنها وإن كانت صحيحة إلا انها لا دلالة فيها على مقصد المحدث المذكور ، فإن غاية ما يستفاد منها ومن رواية أخرى لأبي بصير « 3 » انه لا بأس بأجر المغنية التي تدعى إلى العرائس ، ولا يدخل عليها الرجال ، اما الغناء في غير زف العرائس فلا تعرض في الروايتين لحكمه .
واما الروايات الواردة في قراءة القرآن بصوت حسن فلا صلة لها بالمقام ، إذ لا ملازمة بين حسن الصوت وبين الغناء ، بل بينهما عموم من وجه ، فيقع التعارض في مورد الاجتماع ، وتحمل الطائفة المجوزة على التقية ، لما عرفت من ذهاب العامة إلى جواز الغناء في نفسه .
على أن هذه الروايات ضعيفة السند ، وستأتي الإشارة إلى ذلك .
هامش
( 1 ) سنشير إلى مصادرها في البحث عن مستثنيات الغناء .
( 2 ) ص 169 .
( 3 ) قد تعرضنا لهاتين الروايتين في ص 170 .