وقد صرح بذلك بعض أهل اللغة ، كصاحب القاموس وغيره ، وعلى هذا فالمراد من هجر العذاب هجر موجباته ، كما أريد من المسارعة إلى المغفرة ، ومن الاستباق إلى الخيرات المسارعة والاستباق إلى أسبابهما في آيتهما « 1 » .
ومنها قوله تعالى « 2 » :
( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ )
بناء على صدق الخبائث على المتنجسات وحيث إن التحريم في الآية لم يقيد بجهة خاصة فهي تدل على عموم تحريم الانتفاع بالمتنجسات .
وأجاب عنها المصنف بأن المراد من التحريم خصوص حرمة الأكل بقرينة مقابلته بحلية الطيبات . وفيه أن مقتضى الإطلاق هو حرمة الانتفاع بالخبائث مطلقا ، فتدل على حرمة الانتفاع بالمتنجس كذلك .
والحق أن يقال : إن متعلق التحريم في الآية إنما هو العمل الخبيث والفعل القبيح ، فالمتنجس خارج عن مدلولها لأنه من الأعيان .
لا يقال : إذا أريد من الخبيث العمل القبيح وجب الالتزام بالتقدير ، وهو خلاف الظاهر من الآية .
فإنه يقال : إنما يلزم ذلك إذا لم يكن الخبيث بنفسه بمعنى العمل القبيح ، وقد أثبتنا في مبحث بيع الأبوال « 3 » صحة إطلاقه عليه بدون عناية ، وخصوصا بقرينة قوله تعالى :
( وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ )
. فإن المراد من الخبائث فيها اللواط .
وأما الأخبار فهي كثيرة : منها ما تقدم من رواية تحف العقول ، حيث علل النهي فيها عن بيع وجوه النجس بأن ( ذلك كله محرم أكله وشربه وإمساكه وجميع التقلب في ذلك حرام ومحرم ) . فان الظاهر منها أن جميع الانتفاعات من المتنجس حرام ، لكونه من وجوه النجس .
وفيه أولا : ما تقدم في أول الكتاب من ضعف سند الرواية ، وعدم انجباره بشيء .
وثانيا : أن الظاهر من وجوه النجس هي الأعيان النجسة ، فإن وجه الشيء هو عنوانه الأولى ، فلا تشمل المتنجسات ، لأنها ليست نجسة بعناوينها الأولى .
ومنها رواية السكوني [ 1 ] الآمرة بإهراق المرق المتنجس بموت الفارة فيه فتدل على حرمة
هامش
[ 1 ] عن جعفر عن أبيه إن عليا « ع » سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فارة ؟ قال :
بهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل . ضعيفة للنوفلي . راجع ج 2 كا باب 14 من الأطعمة
( 1 ) سورة آل عمران ، آية : 127( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ). سورة البقرة آية : 143( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ).
( 2 ) سورة الأعراف ، آية : 156 .
( 3 ) ص 39 .