كلّ شيء أسمعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أريد حفظه ، فنهتني قريش ، وقالوا : أتكتب كلّ شيء تسمعه ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بشر يتكلّم في الغضب والرضا ؟ ! فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فأومأ بإصبعه إلى فيه ، فقال :
« اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلّا حقّ » « 1 » .
ولأنّ الاجتهاد - وكما هو معلوم - يفيد الظنّ ، باتّفاق الجميع على ذلك ، حيث إنّه مخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظنّ بشيء من الأحكام الشرعيّة على وجه يحسن من النفس العجز عن المزيد فيه « 2 » .
فإذا كان كذلك ، فلم كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يتوقّف في العديد من الأحكام حتّى ينزل عليه الوحي من قبل اللّه تعالى وقد كان بإمكانه الاجتهاد في ذلك ؟ !
ثمّ إنّ الاعتقاد بمثل هذا القول وتبنّيه يعدّ مدخلا خطيرا يضعف القول القطعيّ بأنّ الشرع الّذي جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو من اللّه ، كما أنّه أيضا يوهن الثقة المطلقة بأحكامه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم طالما أنّ الاجتهاد يحتمل الخطأ والصواب ، وذلك منفيّ عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومعارض لقوله تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
« 3 » .
إذن فالمسلمون لم يختلفوا في زمانه في شيء ممّا يبتلون به ، لوجوده المقدّس بين أظهرهم يؤولون إليه في أحكامهم ، إلى أن حان أوان رحيله إلى الرفيق الأعلى .
وما تركهم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعده حيارى ، بل خلّف فيهم شيئين اثنين جعلهما الموئل
هامش
( 1 ) سنن أبي داود : 3 / 318 ح 3646 .
( 2 ) انظر ! الإحكام في أصول الأحكام : 4 / 396 .
( 3 ) النجم ( 53 ) : 4 .