أحدهما : ما تعلّق به النهي التنزيهي .
وثانيهما : ما عرضه ما ينقصه الثواب ، بحيث لولا هذا العارض لما نقص . والتمندل من هذا القبيل ، فدلالة الرواية على كراهة التمندل تامّة ، ومعناها ما عرفت من أقلّيّة الثواب بالنسبة إلى نفس هذا الوضوء لو لم يكن التمندل .
وقد أشار إلى هذا أيضا صاحب الحدائق ، حيث إنّه في مقام الجواب عن الإشكال المعروف في باب كراهة العبادة قال :
والتحقيق في الجواب أنّ المراد بمكروه العبادة ما كان أقلّ ثوابا منها نفسها لو لم تكن كذلك بل كانت متّصفة بأصل الإباحة ، ويدلّ على ذلك ما تقدّم من حديث : « من توضّأ وتمندل » إلى آخره .
وتوضيح ذلك : أن يقال : إنّ العبادة قد تكون بحيث لا يتعلّق بها أمر ولا نهي غير الأمر الذي تعلّق بأصل فعلها ، وبهذا المعنى تتّصف بالإباحة ، كالصلاة في البيت البعيد من المسجد أو حال المطر ؛ وقد يتعلّق بها أمر زائد على الأوّل باعتبار اتّصافها أو اشتمالها على أمر راجح به كالصلاة في المسجد - مثلا - إلّا مع عذر مسقط ، وربما انتهى إلى حدّ الوجوب ، كما إذا نذر إيقاعها فيه .
وقد يتعلّق بها نهي بالاعتبار المذكور مع المرجوحيّة ، كالصلاة في الحمّام ، وربما انتهى إلى التحريم كصلاة الحائض ، والصلاة في الدار المغصوبة على أشهر القولين ، وحينئذ فمكروه العبادة هو ما كان أقلّ ثوابا بالاعتبار المذكور آنفا منها نفسها لو لم تكن كذلك بل كانت متّصفة بصفة الإباحة المذكورة ، فالصلاة في الحمّام مكروهة بمعنى أنّها أقلّ ثوابا منها في البيت مثلا ، لا في المسجد ، فلا يرد حينئذ ما أورد سابقا من أنّ الكراهة بمعنى أقلّيّة الثواب توجب كون الصلاة في جميع المساجد مكروهة ؛ لكونها أقلّ ثوابا من الصلاة في المسجد الحرام ؛ فإنّ المعتبر - كما عرفت - في المفضّل عليه بالأقلّيّة هو المتّصف بأصل الإباحة ، وهكذا بالنسبة إلى ما لم يوجد فيه أمر زائد على الأوّل « 1 » . انتهى .
وكيف كان فلا وجه للاعتراض على الرواية أصلا لا من حيث السند ولا من حيث الدلالة .
هامش
( 1 ) الحدائق الناضرة ، ج 2 ، ص 418 .