الوضوء دون الغسل . انتهى ، ومن المعلوم أنّ المصنّف أعلم بأقوال المخالفين من هذا المتوهّم ، كما أنّه أعلم منه بأقوال أصحابنا أيضا . انتهى ، فليتأمّل .
وبالجملة ، دليل المشهور مضافا إلى التسامح وجوه :
الأوّل : أنّ في التمسّح إزالة أثر العبادة - أي أثر الوضوء - وهو الرطوبة الباقية منه . وفيه نظر ، فتأمّل .
الثاني : ما دلّ على أنّ المتوضّئ يخلق الله من كلّ قطرة من قطرات وضوئه ملكا يقدّسه ويسبّحه ويكبّره فيكتب له ثواب ذلك ، كرواية العسكري عليه السّلام وغيرها ممّا تقدّم « 1 » .
وجه الاستدلال : أنّ التقاطر يزول بالتمسّح فليس ما يخلق منه الملك . وفيه ما ترى .
الثالث : أنّه قد اشتهر بين أصحاب أبي حنيفة أخذ المنديل لتجفيف ماء الوضوء ؛ لما كان يراه رئيسهم من نجاسة غسالة الوضوء « 2 » ، ففي التمسّح المذكور تشبّه بهم ينبغي الاجتناب عنه ؛ لما ورد من أنّ : « من تشبّه بقوم فهو منهم » « 3 » مضافا إلى النهي عن التشبّه بالمخالفين في المذهب « 4 » كاليهود والمجوس وغيرهما .
ويأتي في كتاب الصلاة ما يدلّ على النهي عن لبس السواد ؛ معلّلا بأنّه لباس فرعون وغيره ، وعن الصلاة وبين يديه السراج ؛ لعدم التشبّه بعبدة الأوثان والنيران ، وفي الحجّ ما يدلّ على النهي عن لبس البرطلّة ؛ لمكان التشبّه باليهود ، وقد روى الصدوق بإسناده ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الصادق عليه السّلام أنّه قال : « أوحى الله إلى نبيّ من أنبيائه : قل للمؤمنين لا تلبسوا لباس أعدائي ، ولا تطعموا مطاعم أعدائي ، ولا تسلكوا مسالك أعدائي ، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي » « 5 » . انتهى .
والحاصل : أنّ التشبّه بالمخالف مرغوب عنه في الأخبار وشهادة الاعتبار ، فينبغي
هامش
( 1 ) في ص 627 .
( 2 ) المبسوط للسرخسي ، ج 1 ، ص 46 .
( 3 ) عوالي اللآلئ ، ج 1 ، ص 165 ، ح 170 .
( 4 ) الكافي ، ج 6 ، ص 531 ، باب النوادر ، ح 5 ؛ المحاسن ، ص 624 ، ح 76 ؛ وسائل الشيعة ، ج 5 ، ص 317 ، أبواب أحكام المساكن ، الباب 9 ، ح 1 و 4 .
( 5 ) الفقيه ، ج 1 ، ص 163 ، ح 769 ؛ وسائل الشيعة ، ج 4 ، ص 385 ، أبواب لباس المصلّي ، الباب 19 ، ح 8 .