والحاصل : أنّ كلامه الأخير مقيّد لإطلاق كلامه الأوّل .
ولكن جماعة من متأخّري المتأخّرين قد خطّئوا هذه النسبة ، فقالوا : إنّ مراده من ذكر المرسلة الأخيرة أنّ النوم الذي لا يزيل العقل لا ينقض الوضوء ؛ وذلك لأنّ الغالب في القاعد المنضمّ عدم النوم كذلك .
قال الوالد رحمه اللّه :
والشاهد على تلك الإرادة وظهور مذهبه في إطلاق رواية زرارة أمور عديدة :
منها : اتّفاق الكلّ على كون النوم المزيل للعقل مطلقا ناقضا ، فمخالفته لهم بعيد جدّا .
ومنها : كون ما يدلّ على مخالفة إطلاق تلك المرسلة من الأخبار أصحّ من المرسلة سندا ، وأكثر منها عددا ، وأصرح منها دلالة ، وأظهر منها عملا ، وأظهر لمذهب الجمهور مخالفة ، فاختياره إطلاق المرسلة مع ذلك بعيد منه قطعا .
ومنها : تصريحه في أماليه بأنّ من دين الإماميّة الإقرار بأنّ النوم الغالب على الحاسّتين ينقض الوضوء ، وهو أقوى شاهد على أنّ مذهبه في الفقيه أيضا ذلك .
ومنها : ظهور المرسلة في نوم لا يغلب العقل ؛ لأنّه الغالب في حال القعود .
ويشهد على كون نظره إلى هذا الظهور ذكره المرسلة عقيب رواية سماعة ابن مهران :
سأله عن الرجل يخفق رأسه وهو في الصلاة قائما أو راكعا ، فقال : « ليس عليه وضوء » « 1 » .
انتهى .
وجه الشهادة : أنّ الخفقة لغة : تحريك الرأس بسبب النعاس التي هي ريح لطيفة تأتي من قبل الدماغ ، تغطّي العين ولا تصل إلى القلب ، فذكر المرسلة عقيب تلك الرواية قرينة على أنّ اعتقاده في رقود القاعد في المرسلة هو نوم قليل لا يغلب العقل .
وما يتوهّم من أنّ ذكر المرسلة بعد رواية زرارة يوجب أن يكون مذهبه مضمون المرسلة ، لا إطلاق رواية زرارة ؛ حملا للمطلق على المقيّد ، ضعيف ؛ فإنّه كما أنّ مضمون رواية زرارة مطلق من جهة ذهاب العقل ، فكذا مضمون المرسلة أيضا مطلق من جهة رقود القاعد ، فإنّ مضمون رواية زرارة ناقضيّة النوم المذهب للعقل مطلقا ، قاعدا كان النائم أو غيره ، ومضمون المرسلة عدم ناقضيّة رقود القاعد مطلقا ، مذهبا للعقل أو لا ،
هامش
( 1 ) الفقيه ، ج 1 ، ص 38 ، ح 143 .