خلطا وبلغا الكرّ مجتمعا يصير طاهرا ، وهل هذا إلّا عجبا ! ؟
قلنا : لا يمتنع أن يكون البعض نجسا إذا كان متفرّقا ، وكذلك البعض الآخر ، فإذا اجتمعا حدث معنى ، وهو البلوغ والاجتماع ، فيتغيّر الحكم عمّا كان عليه أوّلا ، فيخرجه من النجاسة إلى الطهارة ، فيطهّر حينئذ بالبلوغ .
ولهذا أمثلة كثيرة عقلا وسمعا ، فمن ذلك : المشرك نجس العين عندنا ، ويخرجه الإيمان عن النجاسة إلى الطهارة .
إلى أن قال :
فإذا لا مانع شرعا وعقلا أن يثبت للماء النجس متفرّقا قبل اجتماعه وبلوغه الكرّ حكم بعد اجتماعه وبلوغه الحدّ المحدود ، فالدليل - كما يقال - يعمل العجب ويزيل الريب .
وأيضا إجماع أصحابنا على هذه المسألة إلّا من عرف اسمه ونسبه وقوله ، وإذا تعيّن المخالف في المسألة لا يعتدّ بخلافه .
وأيضا فالشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه اللّه الذي يتمسّك بخلافه ، ويقلّد في هذه المسألة ، ويجعل دليلا يقوّي القول والفتيا بطهارة هذا الماء في كثير من أقواله . وأنا أبيّن إن شاء اللّه أنّ أبا جعفر رحمه اللّه يفوح من فيه رائحة تسليم المسألة بالكلّيّة ، إذا تؤمّل كلامه وتصنيفه حقّ التأمّل وأبصر بالعين الصحيحة وأحضر له الفكر الصافي « 1 » . انتهى .
وكلامه هذا صريح في دعوى الإجماع على الطهارة مطلقا .
وقد يستدلّ أيضا بوجوه لا تخلو من شيء .
دليل الثاني - وهو لأكثر المتأخّرين ، بل كافّتهم ، كما قيل - : أنّ هذا ماء محكوم بنجاسته شرعا ، وإنّما يتوقّف الحكم بارتفاعها على الدليل .
وحاصله يرجع إلى استصحاب النجاسة حتّى يثبت دليل على خلافها ، وليس سوى ما ذكر من الأدلّة ، وبعضها قاصر سندا ، وبعضها عار عن الحجّيّة ، وبعضها - وهو قوله عليه السّلام : « إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء » « 2 » - قاصر دلالة .
هامش
( 1 ) السرائر ، ج 1 ، ص 63 - 66 .
( 2 ) تقدّم تخريجه في ص 183 ، الهامش ( 1 ) .