قد اختلف الفقهاء في هذه المسألة :
فقالت الشيعة الإماميّة : إنّ الماء الكثير لا ينجس بحلول النجاسة فيه ، إلّا بأن يغيّر لونه أو طعمه أو رائحته . وحدّ الكثير عندهم : ما بلغ كرّا فصاعدا . وحدّ الكرّ : ما وزنه ألف ومائتا رطل بالرطل المدنيّ . والرطل المدنيّ : مائة وخمسة وتسعون درهما - إلى قوله - : وأمّا الكلام في تصحيح الحدّ الذي ذكرناه من الكرّ وتعيّنه بالأرطال ، فالحجّة في صحّته إجماع الإماميّة عليه ، وإجماعها هو الحجّة .
وأيضا فإنّ الشافعي الذي يخالفنا في تحديده بقلّتين ، مذهبنا أولى من مذهبه ؛ لأنّ القلّة اسم مشترك بين أسماء مختلفة ، كقلّة الجبل أو الجرّة ، ويستعمل أيضا في ذروة كلّ شيء وأعلاه ، وفي غير ذلك ، والكرّ يتناول شيئا واحدا وإن اختلفت مقاديره في البلدان وعادات أهلها ، فالتحديد به أولى .
فإن قيل : قد روى الشافعي ما يزيل الاحتمال ، وهو قوله : « بقلال هجر » .
قلنا : قد ذكر أهل العلم أنّ التحديد بقلال هجر من جهة الراوي ، وأنّه ليس من لفظ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، على أنّ الاشتراك باق مع هذا اللفظ ؛ لأنّ قلال هجر اسم مبهم يحتمل سائر ما تقدّم ذكره .
فإن كان مختلفا في مقاديره ، فليس يختلف ما يقع عليه هذا الاسم كاختلاف ما يقع عليه اسم القلّة ، ويجري الكرّ فيما يتناوله مجرى قولنا : « رجل » في أنّه يقع على أمر واحد غير مختلف في حقيقته وإن اختلف الرجال في الطول والقصر والعلم والجهل والأوصاف المختلفة ، ويجري اسم القلّة مجرى قولنا : « شيء » في اختلاف ما يتناوله .
على أنّنا نتمكّن من استعمال خبر القلّتين ونحمله على الجرّتين الكبيرتين اللّتين تبلغ ما تسعانه مقدار الكرّ ، وأصحاب القلّتين لا يمكنهم استعمال خبر الكرّ ؛ لأنّه لا نعرف شيئا من الأكرار تبلغ خمسمائة رطل .
فإن قيل : ولا نعرف أيضا كرّا يبلغ ألفا ومائتي رطل .
قلنا : الأكرار مختلفة في البلدان ، وقد ذكر الناس اختلافها ومبالغها في عادات أهلها - إلى قوله - : فمن ادّعى أنّ الذي حدّدنا به الكرّ غير معروف ، مبطل على كلّ حال « 1 » . انتهى .
هامش
( 1 ) مسائل الناصريّات ، ص 68 - 72 ، المسألة 2 .