فكيف يحكم بنجاسته ! ؟
اللّهمّ إلّا أن يقال : إنّ الدليل على نجاسته الإجماع على نجاسة مطلق القليل في غير الفرض من غير تفرقة بين تقارب أجزائه وعدمه .
على أنّ ثبوت تنجّس القليل المجتمع الأجزاء في سطح واحد يقتضي ثبوت التنجّس في القليل المختلف بطريق أولى ، كما لا يخفى .
وكيف كان فالأولى أن يمنع كون المتنازع فيه قليلا ، كما تقدّم ، فليتأمّل .
و [ الوجه ] الثاني : أنّ الحكمة في عدم انفعال الكثير بمجرّد ملاقاة النجاسة أنّها تتوزّع على الماء فتضعف ،
وهذا لا يجري إلّا في المتقارب الأجزاء .
وفيه ما لا يخفى ؛ لمنع كون الحكمة هذا ، حيث لم نقطع بها ، بل ولم نظنّها ، مع أنّ الأحكام الشرعيّة كلّها توقيفيّة .
و [ الوجه ] الثالث : أنّ الكرّ - الذي وقع تحديد الماء به - عبارة - في الأصل - عن مكيال مخصوص يكال به الطعام ،
وهو متقارب الأجزاء ، فليكن ما نزّل عليه كذلك .
وفيه ما ترى ؛ إذ المنزّل عليه هو قدر ملء هذا المكيال ، لا غيره من الخصوصيّات ، فليتأمّل .
و [ الوجه ] الرابع : أنّ الظاهر ممّا دلّ على اشتراط الكرّيّة [ اعتبار كون الماء مجتمعا متقارب الأجزاء ]
- مثل قوله : « إذا بلغ الماء » إلى آخره - وما ورد في بيان كمّيّة الكرّ وقدره - مثل رواية صفوان بن مهران ، الآتية « 1 » ، وفيها قال : « وكم قدر الماء ؟ » قال : إلى نصف الساق وإلى الركبة ، فقال : « توضّأ منه » . انتهى ، وغيرها ممّا يدلّ على تحديده بالمساحة - اعتبار كون الماء مجتمعا متقارب الأجزاء في السطح متّحدا كثيرا ببلوغه ما ذكر .
ولا ريب أنّ هذا في صورة المساواة قطعيّ ؛ لمكان صدق هذه الأمور عليه ، وأمّا في غيرها فلا ؛ لعدم صدقها مع تفاحش الاختلاف بالانحدار والتسنّم .
نعم ، تصدق لو كان الاختلاف يسيرا .
هامش
( 1 ) في ص 409 .