كتاب الحجّ
[ فصل في فضل الحجّ ]
[ فصل في فضل الحجّ ]
الّذي هو أحد أركان الدين ومن أوكد فرائض المسلمين ( 1 ) ؛ قال اللّه تعالى : « وللّه على
شرح
( 1 ) مكارم الشيرازي : وقد أشار في المتن إلى بعض مثوباته وبعض عقوبات التارك له . وينبغي أن يلاحظ إلى جنب هذه المثوبات العظيمة الجليلة ، العلل الّتي لأجلها شرّع الحجّ ثمّ العمل بما يقرّب الحاجّ إلى تحصيلها والوصول إلى مغزاها ، فقد قال اللّه تعالى : « ليشهدوا منافع لهم » فما هذه المنافع ؟ وهي كثيرة أشير إليها في روايات المعصومين عليهم السلام ؛ منها : تربية النفوس وتهذيب الأخلاق وتحكيم مباني التقوى والخلوص والخروج عن الذنوب كيوم ولدته امّه ، والتهيّؤ لتركها في مستقبل أيّامه . وهذا من أعظم منافع الحجّ وأهمّ فوائده وبركاته ، ولا يحصل ذلك إلّا بذكرى أسرار هذا التشريع العظيم وفق ما ورد في روايات المعصومين : ويشهد به تاريخ شيخ الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام فإنّه المؤسّس له بأمر من اللّه تعالى ، وكثير من أفعال الحجّ حاكية عن وقفات حياته ومسيره إلى ربّه والاندفاع إلى طاعته وقبول بلائه . فلو أنّ عبداً خرج إلى الحجّ عالماً بهذه الأسرار الخفيّة ملازماً لما يقتضيها مجاهداً مخلصاً وافداً إلى اللّه ، لأثّر الحجّ في نفسه أثراً لا يزول إلى آخر عمره وطيلة حياته ، ويطهره طهارة تبقى إلى يوم يلقى ربّه . وإلى جانب تأثير الحجّ في طهارة النفوس وتزكية الأرواح أثره السياسيّ القويّ في تحكيم الدين وعزّ المسلمين ومزيد شوكتهم وتوحيد كلمتهم وجعلهم في مقابل الأعداء صفّاً واحداًكَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ، مع ما فيه من النظر في مشاكل المسلمين وما ابتلوا به من الأعداء وكشف طرق دفعهم وتحصيل العِدّة والعُدّة في مقابلهم ، فإنّ الحجّ موقف كبير لا نظير له في الدنيا ، وقد كان نبيّنا صلى الله عليه وآله يغتنم هذه الفرصة الكريمة لدفع الشرك والضلال وقصم ظهر أهل النفاق والشقاق . ومن المؤسف جدّاً أنّ المسلمين لا ينتفعون من الحجّ من هذه الناحية ، بل ولا من الناحية الأخلاقيّة ، بل يكتفون بظواهر منه وبقي الحجّ بين كثير منهم كجسد لا روح فيه وبنيان لا أهل له وكفاك في ذلك ما قاله مولانا أمير المؤمنين عليه السلام عند بيان أسرار الأحكام : « فرض اللّه الإيمان تطهيراً من الشرك والصلاة تنزيهاً عن الكبر . . . والحجّ تقربة للدين أو تقوية للدين » ( نهج البلاغة : الحكمة 252 ) وقد يقال الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام فيما رواه عنه الفضل بن شاذان في حديث قال : إنّما أمروا بالحجّ لعلّة الوفادة إلى اللّه - عزّ وجلّ - وطلب الزيادة والخروج من كلّ ما اقترف العبد تائباً ممّا مضى مستأنفاً لما يستقبل . . . مع الخضوع والاستكانة والتذلّل . مع ما في ذلك لجميع الخلق من المنافع لجميع من في شرق الأرض وغربها ومن في البرّ والبحر ممّن يحجّ ومن لم يحجّ من بين تاجر وجالب وبايع ومشترٍ وكاسب ومسكين ومكار وفقير ، وقضاء حوائج أهل الأطراف في المواضع الممكن لهم الاجتماع فيه . مع ما فيه من التفقّه ونقل أخبار الأئمّة : إلى كلّ صقع وناحية ، كما قال اللّه - عزّ وجلّ - : « فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون وليشهدوا منافع لهم » ( وسائل الشيعة ، ج 8 كتاب الحجّ ، أبواب وجوب الحجّ ، الباب 1 الحديث 15 ) . وقال الصادق عليه السلام فيما رواه هشام بن الحكم عنه في جواب السؤال عن علّة تكليف العباد بالحجّ : « إنّ اللّه خلق الخلق . . . وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين ومصلحتهم من أمر دنياهم ، فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب ليتعارفوا ولينزع كلّ قوم من التجارات من بلد إلى بلد . . . ولتعرف آثار رسول اللّه صلى الله عليه وآله وتعرف أخباره ويذكر ولا ينسى ، ولو كان كلّ قوم إنّما يتّكلون على بلادهم وما فيها هلكوا وخربت البلاد وسقطت الجلب والأرباح وعميت الأخبار ولم تقفوا على ذلك ؛ فذلك علّة الحجّ ( نفس المصدر ، الحديث 18 ) . فعلّة وجوب الحجّ ترتكز على جهات أربع : أخلاقيّة وسياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة ، وفقاً لما روي عن أهل بيت العصمة عليهم السلام