واستحسنه في المدارك « 1 » ، فما في كلام شارح الدروس من المناقشة فيه : « بعدم دليل عامّ يدلّ على نجاسة جميع المائعات بملاقاة النجاسة أو المتنجّس بأيّ نحو كان » « 2 » ليس على ما ينبغي بعد استفادة عموم القاعدة من الأخبار الجزئيّة الواردة في موارد مخصوصة .
ثمّ لا يذهب عليك أنّ الحكم المستفاد من تلك القاعدة بالقياس إلى محلّ البحث مخصوص بما عدا الأجزاء العالية فيما اختلفت سطوحه ، بناء على أصالة عدم سراية النجاسة من السافل إلى العالي على الوجه الّذي قدّمناه مفصّلا في مستثنيات انفعال القليل ، من غير فرق فيه بين المطلق والمضاف كما تقدّم ذكره ، وفاقا لبعض مشايخنا المحقّقين « 3 » ، وممّن صرّح به هنا بالخصوص صاحب المدارك مدّعيا فيه القطع ، حيث إنّه بعد ما استحسن الدليل المتقدّم على الانفعال قال : « ولا تسري النجاسة مع اختلاف السطوح إلى الأعلى قطعا ، تمسّكا بمقتضى الأصل السالم من المعارض » « 4 » انتهى .
ولا ريب أنّ دعوى القطع لا تقصر عن دعوى الإجماع ، وإن كان الجمع بينهما وبين التمسّك بالأصل لها ممّا لا يكاد يمكن ، غير أنّه قدّس سرّه أعلم بحقيقة ما ادّعاه ، وقد تقدّم في البحث المذكور عن الشهيد في روض الجنان « 5 » وعن غيره دعوى عدم معقوليّة السراية ، فإنّها وإن كانت لا تخلو عن إشكال كما تقدّم وجهه ، لكنّه في قوّة نقل الإجماع الكاشف عن عدم وجدانهم الخلاف في المسألة ، الكاشف عن عدم وجوده .
وقد يوجّه : بأنّ مرادهم عدم تعقّل المتشرّعة له وعدم دخوله في أذهانهم لا عدم المعقوليّة المصطلح عليه عند أهل المعقول ، فإنّ عدم السراية إلى الأعلى في مطلق المائعات من الأمور المركوزة في أذهان المتشرّعة ، الكاشفة عن بناء الشارع عليه واعتقاده به .
وبالجملة : لم نقف على مخالف في ذلك عدا السيّد الجليل في مناهله « 6 » - فيما
هامش
( 1 ) مدارك الأحكام 1 : 114 .
( 2 ) مشارق الشموس : 257 .
( 3 ) كتاب الطهارة - للشيخ الأنصاري رحمه اللّه - 1 : 300 .
( 4 ) مدارك الأحكام : 114 .
( 5 ) روض الجنان : 136 .
( 6 ) المناهل - كتاب الطهارة الورقة : 218 ( مخطوط ) حيث قال : « وبالجملة : لا إشكال في أنّ تلك الإجماعات تقتضي نجاسة جميع أجزاء المضاف من غير فرق بين الأجزاء الّتي هي تحت الجزء المتّصل بالنجس والّتي فوقه والّتي تساويه من الأطراف . . . الخ » .