. . . . . . . . . .
شرح
ويتوجّه على ما ذكره هذا المتأخّر :
1 - أنّه إن أراد بالاستهلاك من جهة القلّة والكثرة ، بمعنى أنّه لا بدّ وأنّ المطهِّر أكثر من المطهَّر - بالفتح - بحيث يستهلك في جنبه ، كما يقضي به استدلاله عليه بالحديث المشهور « إنّ الماء يطهِّر ولا يطهَّر » « 1 » بالحمل على أنّ المراد أنّه ليس صورة يطهر فيها إلّا بالاستهلاك والاضمحلال ، وحينئذٍ يكون كالمعدوم ، فيتّجه قوله : « لا يطهَّر » .
ففيه : أنّه مخالف للإجماع الذي ستسمعه من المحقّق الثاني في ردّه القول بالامتزاج . وقال في كشف اللثام : « لا خلاف في طهر الزائد على الكرّ أضعافاً كثيرة بإلقاء كرّ عليه وإن استهلكه » « 2 » .
وفي المختلف : « أنّ الاتّفاق واقع على أنّ تطهير ما نقص عن الكرّ بإلقاء كرّ عليه دفعة » « 3 » . وهو بإطلاقه شامل للنقصان الذي لا يستهلك بإلقاء الكرّ بأن كان ناقصاً قليلًا ، على أنّه يحتمل أن يريد بالنقصان عن الكرّ من باب المثال ؛ لتحقّق النجاسة وإلّا فلا تفاوت .
2 - وإن أراد بالاستهلاك حصول الامتزاج أي الجميع بالجميع فله وجه ، بل يمكن حمل كلام القائلين باشتراط الامتزاج عليه ؛ فإنّ الظاهر من التأمّل في كلامهم أنّ امتزاج بعض الأجزاء مع بعض لا يكفي في تطهير الجميع .
وممّا يرشد إلى ذلك قوله في كشف اللثام في تحرير محلّ النزاع : « وهل يعتبر الممازجة واختلاط أكثر الأجزاء بالأكثر أو الكلّ بالكلّ ؟ اعتبرها في التذكرة كالمعتبر ، ونحوهما الذكرى » « 4 » ، وهو ظاهر فيما ذكرنا .
لكن عن المحقّق الثاني أنّه قال - في إلزام القائلين بالامتزاج - : « إن أريد به امتزاج مجموع الأجزاء بالمجموع لم يتحقّق الحكم بالطهارة ؛ لعدم العلم بذلك ، بل ربّما علم عدمه ، وإن أريد به البعض لم يكن المطهّر للبعض الآخر الامتزاج ، بل مجرّد الاتّصال ، وحينئذٍ فيلزم : إمّا القول بعدم طهارته ، وهو باطل قطعاً ؛ للإجماع على أنّه ليس وراء الامتزاج المذكور شرط آخر لطهر الجميع ، أو القول بالاكتفاء بمجرّد الاتّصال ، وحينئذٍ فيلزم القول به [ بالطهر ] مطلقاً » « 5 » .
وفيه : أنّه يراد الأوّل ، قوله : « لم يتحقّق الحكم بالطهارة » .
قلت : إن أراد به دائماً فهو ممنوع ؛ فإنّه في غالب الأوقات يحصل العلم بالامتزاج ، كما إذا كان النجس قليلًا أو كان ذا صفات قد اضمحلّت ، ونحو ذلك . وإن أراد أنّه يتّفق في بعض الأوقات عدم حصول العلم أو العلم بالعدم ، ففيه : أنّه لا مانع من التزام عدم الطهارة حينئذٍ ، وكيف لا ! وهو ثمرة المسألة .
أو [ يحتمل أن ] يراد الثاني لكن الأكثر بالأكثر ، قوله : « لم يكن المطهِّر للبعض الآخر الامتزاج . . . إلى آخره » ، فيه : أنّ مسألة التطهير تتبع الدليل الشرعي ، ولعلّه الإجماع في المقام كما ادّعاه .
وكيف يقاس هذا على ما لم يحصل الامتزاج بالمرّة ؟ ! فإنّه قد يكون لهذا الامتزاج مدخليّة ، لا سيّما إن قلنا : الأكثر بالأكثر .
هامش
( 1 ) الوسائل 1 : 133 ، ب 1 من الماء المطلق ، ح 3 ، 6 ، 7 .
( 2 ) كشف اللثام 1 : 310 .
( 3 ) المختلف 1 : 179 .
( 4 ) كشف اللثام 1 : 309 .
( 5 ) لم نعثر عليه ، لكن نقله في الحدائق 1 : 334 - 335 .