سبيل الترتيب والتدرّج أوّلا ، ثم أشار إلى الجمع بين المرتبتين في حدّ ذاته ثانيا ، أشار إلى اتّصافه بالفيض ، ووصول نفعه إلى سائر الذوات ثالثا .
[ معنى قوله أنا ذات الذوات في الذات وإلى الذات ]
فقال : « أنا ذات الذوات » .
يعني مذوّتها ، كما في قوله تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 1 » أي منوّرها .
ولمّا كان المذوّت في الحقيقة هو اللّه تعالى ، بل تذويته تعالى أيضا بمعنى إيجادها مجازا بناء على بساطته ، فلا بدّ من تجوّز في ذلك بإرادة أنّي مكمّل الذوات ، أو علّة لإيجادها ، ولو كان بسبب كونه عليه السّلام غاية لإيجادها ، وأشار إلى هذين بقوله عليه السّلام :
« في الذات أو للذات » مشيرا بالأولى إلى التكميل ، وبالثانية إلى علّية الإيجاد ، وكلمة « أو » للتقسيم لا الترديد .
وبيان ذلك أنّ الذات عبارة عن كنه الشيء وحقيقته ، والكنه والحقيقة هو ما يكون الشيء به من المقوّمات ، وسائر الصفات ممّا يتعلّق بها من العوارض والطوارئ في غير ذات واجب الوجود الذي هو قائم مقام جميع صفات كماله ، وليس صفاته ما وراء ذاته .
ثمّ إنّ الذات إذا خلت عن صفاته الكمالية فهي بمنزلة المعدوم ، فالوجود ، إن كان يلاحظ بالنسبة إلى الذات ويتعلّق بها أوّلا ويتعلّق بالصفات ثانيا .
ومن هذه الجهة فالذات مقدّمة على الصفات في مرتبة الوجود ، وأولى بالاعتناء بها والاعتبار . ولذلك استحقّت اتّسامها بالذات .
لكن لمّا كانت الفاقدة منها لصفة الكمال بمنزلة المعدومة ، فكأنّ الواجدة للصفات من جملة الذوات الّتي تتّصف بالكمال بالعرض أولى بأن تطلق الذات على صفاتها ، والأعراض على ذاتها .
هامش
( 1 ) . النور : 35 .