« وإلى الآن أسأل عنه » .
ومن ملاحظة باقي الحديث سيّما قوله عليه السّلام : « فقال أنت أبو تراب » بعد قوله :
« فقلت : أنا أنت » أنّ المراد بالرجل الذي رآه هو نفسه الشريفة .
[ معنى قلت من أنت ]
فقلت : « من أنت » .
هذا تفسير وبيان لمساءلته عليه السّلام مع الرجل عن حاله وذكر سؤاله إيّاه عن حاله وجوابه عنه ، يعني إلى الآن كنت مخاطبا لنفسي ومجاوبا .
فهذا نوع تجريد في الكلام وبيان لتفكّره في نفسه وتدبّره في حقيقة ذاته الشريفة ، وأفعاله ورتبته ومقداره ، فخاطب نفسه وقال : « من أنت » .
ولمّا كان السؤال بكلمة « من » ككلمة « ما » إمّا يكون من شرح الاسم أو شرح الكنه . فاللائق بالمقام تنزيله على السؤال عن شرح الكنه ؛ لأنّ المسؤول عنه هو الرجل الكامل .
وأيضا لمّا كان منتهى معرفة الربوبيّة وهو معرفة منتهى العبودية ، كما هو تنزيل ما روي في مصباح الشريعة : « العبودية جوهرة كنهها الربوبيّة » « 1 » على ما أدّى إليه النظر القاصر ، وبيّنته في رسالة مفردة ، وإليه أشير بقوله : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » في أ « 2 » حد معانيه .
وبيانه أنّ منتهى معرفة العبودية جعل العبد نفسه معدوما بحتا ؛ لأنّ كلّ شيء فيه فهو من مبدعة وخالقه وربّه ، وإيقاف نفسه في مرتبة الإمكان البحت .
وإذا عرف قدره ، ولم يتعدّ طوره ، فيظهر له أنّه محتاج إلى الغير برمّته ، وليس في حقيقته شيء إلّا الاحتياج ، ولا بدّ للمحتاج من يرفع حاجته ، ففي كلّ شأن من شؤون الاحتياج يظهر له شأن من شؤون الغنى في المحتاج إليه ، فإذن يستبصر بجميع
هامش
( 1 ) . مصباح الشريعة ( المترجم ) : 536 .
( 2 ) . عوالي اللآلي 4 : 102 .