فقال : لا ، ووقع في قلبه أن ليس على وجه الأرض أعلم منه ، فامر بما أمر وجه الابتلاء لما ارتكبه من ترك الأولى من إخطار ما لا ينبغي بقلبه « 1 » ، ويحتمل أن يكون المراد ما تقدّم من قوله :
لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا
« 2 » ، فليتأمّل .
وقوله مخاطبا للخضر :
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً
« 3 » أي : قبيحا ، مع أنّه كان مأمورا بمتابعته والتعلّم منه فكان الأولى التأدّب معه وحسن القول ، كما ورد في المتعلم بالنسبة إلى المعلم ، فعامله الخضر آخرا بما عامله موسى أوّلا ، ويحتمل غير ذلك من قول موسى :
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ
« 4 » وأمثاله .
ولمّا كان موسى أعلى رتبة من الخضر لكونه من اولي العزم من الرسل ، والخضر لم يثبت بعد رسالته ، فضلا عن معادلته لموسى ، وكان إخباره له ممّا يوهم بظاهره ارتفاع شأنه وسموّ مكانه عليه ؛ تعرّض الإمام عليه السّلام لدفع هذا الإيهام فقال : « ولم يكن ذلك » أي : إخبار الخضر لموسى ، معلّلا « باستحقاق للخضر » ، أو بسبب استحقاقه « الرتبة » هو مفعول الاستحقاق « على موسى » ، والحال أنّ موسى « أفضل من الخضر » بمراتب لما ذكرنا ، « بل كان » ذلك « لاستحقاق موسى للتبيين » والاستكشاف عن وجوه تلك الأسرار وإظهار وجوه الحكم فيها للناس ولم يكن الخضر قابلا لذلك ، كما أنّ السفير من الأمير إلى الوزير - مثلا - ربّما لم يكن قابلا إلّا لمجرّد إبلاغ الرسالة والخطّ دون إجراء ما فيه من الأحكام ، وهذا موافق لما عليه أصحابنا وبعض العامة من تفضيل الأنبياء على الملائكة حتّى جبرئيل ملك الوحي « 5 » .
هامش
( 1 ) لاحظ ! بحار الأنوار : 13 / 281 .
( 2 ) الكهف ( 18 ) : 62 .
( 3 ) الكهف ( 18 ) : 74 .
( 4 ) أعراف ( 7 ) : 155 .
( 5 ) أوائل المقالات للمفيد : 49 - 50 ، الاعتقادات للصدوق رحمه اللّه : 89 باب 34 ، تفسير التبيان : 1 / 150 ، التفسير للفخر الرازي : 2 / 234 ، بحار الأنوار : 57 / 285 - 317 .