ولا ينافي ذلك نزوله في صدّ الحديبيّة ؛ إذ كثيراً ما كان سبب نزول آية خاصّاً ويكون حكمها عامّاً ، ولا التفريع بقوله :
« فَإِذا أَمِنْتُمْ »
، فإنّه يشمل الأمن من المرض أيضاً كما فسّر به في كنز العرفان « 1 » وغيره من تفاسيرنا . « 2 » ولا يعبأ بقول من قال من أهل اللّغة : إنّ الإحصار مخصوص بالمرض زعماً منه أنّه إنّما يقال في العدوّ الحصر ، وأنّه يقال : أحصره المرض إحصاراً فهو مُحصَرٌ ، وحَصَره العدوّ فهو محصور « 3 » ؛ فإنّه يعارضه النزول في الحديبيّة .
على أنّ العلّامة رحمه الله نقل في المنتهى « 4 » عن الفرّاء أنّه قال : « أحصره المرض لا غير ، وحصره العدوّ وأحصره معاً » « 5 » ، وهو نصّ في عموم الإحصار ، وإنّما يدلّ على أنّه لا يقال في المرض : الحصر ، وهو خارج عن الفرض .
ويدفع هذا أيضاً قول من هو اسّ الفصاحة وأساسها ، فقد قال الصادق عليه السلام :
« المحصور هو المريض » . « 6 » وظهر ممّا ذكرنا فساد قول ابن إدريس « 7 » وجمهور العامّة « 8 » ، حيث خصّ أوّل الآية بالمريض معلّلًا بما ذكر من قول بعض أهل اللغة ، واستفاد حكم المصدود من فعل النبيّ صلى الله عليه وآله بالحديبيّة ، وخصّوها أولئك بالمصدود معلّلين بنزولها بالحديبيّة ، وبقوله تعالى :
« فَإِذا أَمِنْتُمْ »
.
ولكن اختلفوا هؤلاء في حكم المريض فوافقنا في جواز تحلّله أيضاً أبو حنيفة « 9 »
هامش
( 1 ) . كنز العرفان ، ج 1 ، ص 289 .
( 2 ) . انظر : التبيان ، ج 2 ، ص 158 ؛ مجمع البيان ، ج 2 ، ص 39 .
( 3 ) . انظر : مختار الصحاح ، ص 81 .
( 4 ) . منتهى المطلب ، ج 2 ، ص 850 .
( 5 ) . انظر : أحكام القرآن للجصّاص ، ج 1 ، ص 325 .
( 6 ) . المقنع ، ص 244 ؛ معاني الأخبار ، ص 223 ، معنى المحصور والمصدود ؛ الفقيه ، ج 2 ، ص 514 ، ح 3104 ؛ تهذيب الأحكام ، ج 5 ، ص 423 ، ح 1467 ؛ وص 464 ، ح 1621 ؛ وسائل الشيعة ، ج 13 ، ص 177 ، ح 17251 .
( 7 ) . السرائر ، ج 1 ، ص 641 .
( 8 ) . انظر : بدائع الصنائع ، ج 2 ، ص 175 ؛ بداية المجتهد ، ج 1 ، ص 283 - 286 .
( 9 ) . بدائع الصنائع ، ج 2 ، ص 175 ؛ التمهيد ، ج 15 ، ص 209 ؛ فتح العزيز ، ج 8 ، ص 9 .