تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الواسطة في معرفة أحوال مالطة — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
كانت من الأسباب التي حفزته إلى تقرّي هذه المدنيّة وفحصها عن كثب . يضاف إلى ذلك معرفته بالشيخ رفاعة الطهطاوي أحد أقطاب النهضة الحديثة في مصر ، وصاحب الرحلة المعروفة ب « تخليص الإبريز في تلخيص باريز » حيث من المرجّح أن تجعله أكثر اقتناعا في ارتياد الغرب والتحقّق ممّا يقال فيه أو عنه . فلمّا سنحت له الفرصة في السفر إلى إنكلترة ، والإقامة فيها لسنوات سارع إلى تدوين هذه التجربة في كتاب شامل يبزّ به سلفه الطهطاوي ، الذي كان يكنّ له الكثير من الاحترام ، ويجعله دليلا ومرشدا لمن تتوق نفسه إلى معرفة الغرب ، وما أنجزه من التقدم والرقيّ . إن من يمعن النظر في سيرة الشدياق ، لا سيّما أثناء إقامته في أوروبا يلحظ أنّه لم يتوقّف عن السعي للوصول إلى سلاطين زمانه في كل مناسبة ، لعلّه يجد عند أحدهم خطوة تمكّنه من أن يسعد في ظلّه من جهة ، وليضع في خدمته مواهبه وقدرته على المساهمة في الإصلاح والتنوير من جهة ثانية . وسرعان ما قاده الحظ إلى تونس ، حيث استقدمه « الباي » من باريس كما أسلفنا ، وكان هذا الحاكم المصلح آنذاك يعمل على تحديث بلاده ، وبناء دولته على أسس عصرية ، وقد أسند تنفيذ هذه المهمّة إلى خير الدين باشا التونسي أحد المصلحين الكبار ، وأحد أركان النهضة والإصلاح في الأقطار الإسلامية ، والذي رآه الشدياق جديرا بأن يهدي إليه مدوّنته عن حضارة الغرب ، مشفوعة بقصيدة عصماء يعدّد فيها مناقبه . يقول في مطلعها :
إذا كان خير الدين عنّي راضيا * فما ضائري أن أغضب الدهر والوسعا هو البحر جودا والصباح صباحة * ونور الدجى نفعا ولطف الصّبا طبعا
فأثابه خير الدين بخاتم من الماس ذكره الشدياق في هذه القصيدة ، ثم طبع الكتاب بمطبعة الدولة التونسية سنة 1283 ه . وربما كان الشدياق في هديّته تلك « كجالب التمر إلى هجر » كما « أنّ العوان لا تعلّم الخمرة » فالوزير التونسي لم يكن خبيرا بشؤون السياسة والإدارة فحسب ، بل
الواسطة في معرفة أحوال مالطة — صفحة 19 | أحمد فارس الشدياق