تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
الناس إلى ميدان باب العراق ، فاجتمعوا حتى غص الميدان بالناس ، فوقف الملك الصالح في رأس الميدان من الشمال وقال لهم : يا أهل حلب أنا ربيبكم ونزيلكم واللّاجئ إليكم ، كبيركم عندي بمنزلة أبي ، وشابّكم كأخي ، وصغيركم كولدي . وخنقته العبرة وعلا « 1 » نشيجه . فافتتن الناس وماجوا ورموا عمائمهم وضجوا بالبكاء والعويل ، وقالوا : نحن عبيدك وعبيد أبيك ، نقاتل بين يديك ونبذل أموالنا وأنفسنا لك . وأقبلوا على الدعاء والترحم على أبيه . وكان الشيعة منهم اشترطوا على الملك الصالح أن يعيد إليهم شرقيّة الجامع يصلّون فيها على قاعدتهم القديمة ، وأن يجهر « بحيّ على خير العمل » والأذان « 2 » ، والتذكير في الأسواق وقدّام الجنائز بأسماء الأئمة الاثني عشر ، وأن يصلوا على أمواتهم خمس تكبيرات ، وأن يكون عقود الأنكحة إلى الشريف الطاهر أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني ، وأن تكون العصبية مرتفعة والناموس « 3 » وازعا لمن أراد الفتنة . وأشياء كثيرة اقترحوها مما كان أبطله نور الدين رحمه اللّه فأجابهم الملك الصالح إلى جميع ما طلبوا . وأما السلطان صلاح الدين فإنه أرسل إلى حلب رسولا يعرّض بالصلح ، فامتنع كمشتكين فاشتد السلطان حينئذ في قتال البلد . فتفاوض الملك الصالح وجماعته في إعمال الحيلة فقر رأيهم على أن يراسلوا سنانا صاحب الحشيشة - ويقال لهم الإسماعيلية والباطنية - في أن يدس إلى السلطان من يغتاله ، ووعدوه على ذلك بأموال جمّة وعدّة من القرى . فجاء نفر من الإسماعيلية إلى جبل الجوشن واختلطوا بالعسكر ، فعرفهم أحد من كان مجاورهم في بلادهم ، فوثبوا عليه وقتلوه في موضعه ، وجاء قوم للدفاع عنه فجرحوا بعضهم وقتلوا البعض . وبدر من الإسماعيلية أحدهم وبيده سكينة مشهورة ليقصد السلطان ويوقع به ، فلما وصل إلى باب الخيمة اعترضه طغريل أمير جاندار فقتله ، وطلب الباقون فقتلوا بعد أن قتلوا جماعة . فلما يئس « 4 » الحلبيون من مرادهم في السلطان كاتبوا قمص الإفرنجي - صاحب طرابلس - وضمنوا له أشياء كثيرة متى رحل السلطان عن
هامش
( 1 ) في الأصل : « وعلي » فصوبناها كما ترى . ( 2 ) كذا ، ولعل الصواب : في الأذان . ( 3 ) مرتفعة : أي منعدمة ، لا وجود لها . والناموس : الشريعة . ( 4 ) في الأصل : « يأس » والصواب ما أثبت .