سفر الوالي والقائد التركيين :
وفي الساعة الثانية من هذه الليلة ركب القطار القائد العسكري العثماني ، ومصطفى عبد الخالق بك الوالي العثماني الأرنوطي الأصل ، وهو شاب صبيح الوجه في سن الخامسة والثلاثين ، ذكيّ حسن التفرس متديّن أمين ذو شفقة ومرحمة ، بذل ما في وسعه من الجد والجهد في ولايته الأولى أيام هذه الحرب في ملاطفة الفقراء وتوفر الأقوات ، فخفّف عنهم آلام الجوع ولم يمت أحد في أيام ولايته جوعا .
ولما ولي حلب في هذه المرة حضر إليها مجردا من عياله ولم يأل جهدا في تلطيف ما نزل بحلب من الشدائد التي من جملتها ظلم الجندية واستبدادهم ، موقنا أن الحلبيين لا غائلة تخشى منهم على الأتراك فآلى على نفسه أن يبقى في حلب إلى آخر ساعة من أيام الحكومة العثمانية ، غير مبال بما عساه أن يناله من الخطر الذي لا يوجد من يدفعه عنه من رجال الدرك والشرطة لتركهم وظائفهم واستيلاء الخوف عليهم .
وقد قصد من بقائه في حلب إلى المدة الأخيرة ردع الأوباش والأسافل عن قيامهم على بقايا المأمورين والأتراك وعلى ضعفاء الأهلين ليسلبوا أموالهم ويعيثوا في أعراضهم . على أنه وإن كان لا يوجد معه من يحامي عنه من رجال الدرك والشرطة إلا أن مجرد علم الأسافل بوجوده يردعهم عن تنفيذ نواياهم الخبيثة ، ولعلمهم أيضا بأن بقايا العساكر العثمانيين لا تتخلى عن تنفيذ أوامره عند اقتضاء الحال .
محاماة الوالي عن حلب تجاه القائد :
وله غرض آخر من بقائه في حلب إلى آخر وقت وهو مراقبة حركات القائد العسكري الذي كان يعتقد أن أهل حلب من أعداء الدولة التركية ، وقد شاع أنه مصمم على ألّا يخرج من حلب حتى يخربها عن آخرها بالألغام وكرات المدافع ، وأن الوالي عبد الخالق ينهاه عن فعله ويؤكد له أن أهل حلب لا يستحقون منه هذا العمل ، فكان القائد لا يقنع بكلامه . وقد قيل إن عبد الخالق بك لما تحقق أن القائد مصمم على تخريب البلدة - حين ما « 1 »
هامش
( 1 ) في الأصل : « حينما » والصواب هنا فصل « ما » عن « حين » لأنها اسم موصول ، لا زائدة وهو ما صححناه .
والهاء في « به » تعود على « ما » .