تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
على السعر الرائج . فلما تنازل سعر الورق إلى مقدار خمس قيمته صار هذا المسكين يأخذ راتبه من الحكومة ست ورقات ، سعر الورقة في التجارة عشرون قرشا ، فكان معاشه عن الشهر كله يبلغ مائة وعشرين قرشا رائجة ، وهي قيمة رطلين من الدقيق فقط لا يكفيه مع الاقتصاد أكثر من يومين ، فيضطر - لإكمال باقي ضرورياته - إلى أن يبيع أثاث منزله ثم ثيابه وثياب عياله حتى يضطر للتسؤّل . وربما كان لخدمته تسلط على الناس فيضطره الحال - رغما عن عفافه - أن يمد يده إلى أخذ الرشوة وأكل المال الحرام ، فيبطل الحق ويحق الباطل . ولما بلغت الحالة بالمستخدمين هذه الغاية رأت الحكومة وجوب تلافي حالتهم بقدر ما يمكنها ، صونا لشرفها ، فشرعت تأخذ من الزارعين عشرا ثانيا - سمّته المبايعة - بقيمة تبلغ الربع والثلث من قيمته الحقيقية ، وتدفع للزراع هذه القيمة ورقا على سعره الأميري . وأما باقي المأكولات والصابون ومادة الوقود فإن الحكومة جعلت تشتريها من ذويها بقيمة تضعها من عند نفسها ، وتدفع لهم تلك القيمة ورقا على سعره الأميري أيضا . ثم جمعت هذه الأموال في مكان ووظفت لتوزيعها على المأمورين موظفين وكتابا ، يعطون المستخدمين من هذه الأموال مقدار ما يخفف ضررهم بقيمة تزيد على قيمتها التي اشترتها الحكومة بها شيئا قليلا ، وتأخذ منهم القيمة ورقا - من رواتبهم - على سعره الأميري . وسمّت هذا العمل ( إدارة الإعاشة ) . وبهذه الواسطة خفّ ضرر المستخدمين وصار يمكنهم أن يحصلوا مع الاقتصاد على ضروريات حياتهم . فكان المأمور يأخذ من هذه الإدارة في رأس كل شهر قدرا معلوما من الحنطة والبرغل والعدس والحمّص والملح والسكر والقهوة والحطب والفحم والصابون والزيت والبترول ، فيبيع من هذه الأشياء ما يمكنه الاستغناء عنه بقيمته الحقيقية ، ويصرف القيمة في باقي حوائجه .

جالية أهل المدينة المنورة :

وفي هذه السنة وهي سنة 1335 قدمت علينا جالية أهل المدينة المنورة وهي في حالة يرثى لها ، قد تركت أموالها وأمتعتها في المدينة المنورة . وجاءت هذه البلاد في وقت غلت فيها أسعار الأقوات وارتفعت أجور المنازل . وكان بين هذه الجالية أسر كريمة فيهم السادات