تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
وأما السلطان محمود خان فإنه استحضر إلى سراياه جميع الطوبجية ، وبعث رسولا إلى اليكجرية العصاة يأمرهم بإلقاء السلاح والتسليم فرفضوا الأوامر واستهزءوا بها . فجمع العلماء وأخبرهم بما كان فقالوا جميعا : إن اليكجرية هم أعداء الدين . فجلس السلطان تلك الليلة في السرايا في نفس الموضع والحالة التي جلس عليها منذ ثمان عشرة سنة ، وكانت المدينة بأيدي جنود هائجة قد علا ضجيجهم إلى الجو وملؤوا الأسواق حتى وصلوا إلى باب السرايا وأخذوا يجلبون ويتهددون . وفي صباح اليوم السادس عشر من شهر حزيران من السنة المذكورة أخرج السلطان علم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الخزينة وسار بكل جنوده إلى ساحة آت ميدان . وبعد تقديم الدعاء في جامع السلطان أحمد نشر هناك العلم الشريف فأخذت الجماهير تتقاطر إليه ، ثم أخذت الجيوش تتقدم نحو اليكجرية وتدفعهم إلى الوراء ، إلى أن وصلوا إلى تل مشرف على معسكرهم بقرب جامع السلطان محمود ، وكنت ترى جماهير كثيرة من المسلمين يبادرن بسرعة إلى معسكر السلطان لأجل المدافعة عن العلم الشريف . ثم ثار جماعة من الطوبجية نحو ساحة آت ميدان من دون مصادمة كثيرة ، ولم يمض إلا القليل حتى أحاطت الجنود المظفرة بتلك الساحة الفسيحة من كل جهة ، وجعلت المدافع على كل مرتفع وفي كل شارع مقابل ذلك الموضع . وعند ذلك خرجت اليكجرية من القشل قاصدة الهجوم على عساكر السلطان فأرسل السلطان رسولا يأمر اليكجرية أن يسلموا ، فقتلوا الرسول وللحال أشعلت الطوبجية المدافع وكان عددها مائة مدفع وأخذت تطلق الكرات والقنابل على ساحة آت ميدان والقشلة ، فهجمت اليكجرية على الصفوف السلطانية فدفعتهم العسكر المظفرة دفعة هائلة وذبحوا منهم عددا غفيرا ، فرجع من سلم هاربا إلى القشلة ، وحينئذ تحولت المدافع نحو القشلة بأسرها ، وأشعلت النار الدائمة فلعبت بالقشلة . فصرخ اليكجرية من داخلها طالبين العفو والرجمة فلم يلتفت إلى صراخهم ، وذلك أن ألوفا من الشيوخ والنساء والعذارى طالما كانوا يصرخون إليهم في أيام سطوتهم طالبين الرحمة فلم يرحموهم ولا التفتوا إلى صراخهم . ولم تزل المدافع تعج والبواريد ترسل الرصاص من دون انقطاع حتى سقطت حيطان القشلة إلى الداخل على من سلم فيها من نيران القتال فهلكوا عن آخرهم ، ولم ينج أحد من جميع الذين كانوا قد وقفوا في تلك المعمعة لمحاربة سلطانهم وولي نعمتهم ، فسحق ذلك العصيان سحقا فظيعا في أول ظهوره ، ولكن لم يكن ذلك نهاية العمل لأنه كان لم يزل ألوف من