به وأشدها نكبة وبلاء مدينة حلب ثم أنطاكية وبلاد القصير الأعلى والأسفل .
حدثني الشيخ المعمّر محمد آغا مكانسي أحد أعيان حلب ووجهائها في القرن الثاني عشر المولود سنة 1202 والمتوفى سنة 1309 - وكان دقيق الفكر حسن التعبير قوي الحافظة لا يشذّ عن ذهنه كلّي ولا جزئي من الحوادث والكوارث التي مرت عليه مدة حياته بعد طور طفوليته - وكنت أسمر عنده في مصيف منزله الكبير الكائن في محلة محمد بك ، في ليلة من شهر تموز طاب نسيمها وسطع بدرها . وقد سألته عن أعظم فزعة عرته في حياته ، بمناسبة حديث كان يحدثنا به عما قاساه من الأهوال والأخطار في بعض أسفاره إلى الحجاز حينما كان إسباهيا « 1 » يرافق ركب الحاج فقال مجيبا لي عن سؤالي : إن أعظم فزعة عرتني مدة حياتي فزعة ارتعدت لها فرائصي وأوقعتني في مهاوي اليأس من الحياة ، كانت في ليلة الزلزلة الكبرى التي حدثت في سنة كذا ( وذكر الليلة التي قدمنا ذكرها ) .
ثم طفق يقص علينا نبأ تلك الحادثة فقال : بينما كنت جالسا في مصيف داري القديمة في ذلك الوقت أسمر مع جماعة من خلّاني وألتذ بمنادمتهم وحسن حديثهم - والنسيم البليل يحيينا بأنفاسه وينعشنا بلطيف هبوبه - إذ انقطع عنا بغتة واشتد الحر حتى شعرنا بضنك في صدورنا وضيق بأنفاسنا ، وما مرّ علينا سوى نحو عشرين دقيقة في هذه الحالة المضنكة إلا وسطع في جو الفضاء ضوء أشرقت به الدنيا إشراقها بالشمس تتجلى في ذروة الفلك الأعلى ، فرفعنا أبصارنا إلى العلاء فرأينا هذا النور الساطع صادرا من كوّة مفتوحة في كبد السماء كأنها نافذة من نوافذ جهنم ، وما كدنا نرجع أبصارنا إلى الحضيض حتى أوقر أسماعنا دويّ كهزيم الرعد ، وإذا بالأرض قد مادت بنا يمنة ويسرة والنجوم أخذت تتناثر وتتطاير في أفق السماء كشرر يتطاير من أتون . ثم انتفضت الأرض أربع مرات متوالية أزاحتنا عن مقاعدنا ، فنهضنا على أقدامنا وما منّا أحد إلا وقد أحسّ بدنو أجله كأن السماء وقعت عليه ، أو الأرض كادت تنخسف تحت قدميه . فصرنا نكرر الشهادتين ونضرع إلى اللّه تعالى بقولنا : يا لطيف ، والجدران تتداعى وتخرّ السقوف وتتدهده الحجارة على الأرض فيسمع لها جلبة ودويّ تقشعر منهما النفوس . كل هذا جرى في برهة من الزمن لا تزيد على نصف دقيقة وقد اشتد غواش الناس وضجيجهم يستغيثون بالله ، وعلا صراخ
هامش
( 1 ) الإسباهي ، والصباهي : العسكري المرافق ، والخيّال .